أحاديث على دكة بوح

“هذا حديث قديم كتبته في الساخر لـ ” كنت هي ” في رد ما لموضوع لي بالرصيف كان عبارة عن دردشة , حذفت بعضه صديقتي المشرفة لأنها رأت أن ما حذفت قد يضر بي ذات يوم , أنا التي لا أحسب حسابا لما قد يأتي لما أكتب ذكرياتي علنا ً “

****

تقولين أنك ظامئة للأشياء البعيدة المنال , وفي رد آخر : صامتة , مستكنة ولا يجول بخاطرك شيء .

ثم إنك تقولين : أن الناس تتخذك محل بوح .

حسنا ً أنا أيضا كنت ظامئة , منذ عرفت نفسي وأنا ظامئة , وهذا أمر لم يحدث لي على كبر , بل تكشفت عنه حتى من قبل دخول المدرسة , و لطالما _ في سن الخامسة _ بحثت عن معتكفات خاصة , و تجنبت اللعب مع الآخرين , و غصت في أحلام يقظتي , و اتخذت من أسفل سرير والدي ملجأ , أستمع تحته لصلاته المسائية وأدمع .

و كثيرا ما أنشغلت بفكرة الهرب من البيت وأرقت أخطط , منتظرة أن ينام الجميع , أو تحدث معجزة فأجد لي رفيقا من الأرانب أو النمل , يكون لي معهم منزلا من الأرض , لا يجد سبيله أحد من الخلق .

في طفولتي و في أول سنة دراسية لي ـــ مازلت أذكر هذا كأنه اليوم ــــ أطارت الريح لمنزلنا ورقة من جريدة , وأمي و أنا في حوش منزلنا , هي تزرع وأنا أكتب حروف الهجاء , فلما وقعت تلك الجريدة تحت مستوى نظري , ركضت خلفها وهي تطير , وبدأت أنظر لزاوية بها صورة لأحد الكتاب ـ دون أن أرى فعلا ً ما هو مكتوب , وكيف هو شكل ذلك الكاتب , و لا أعرف ولا أذكر إن كنت قرأت سطرا منها أو لا _ غير أني أذكر وبشكل واضح أني فكرت يومها بأنه لا بد لي من أن أنتحر , و أنه لا بد وأن ينتشر خبر انتحاري في جريدة كهذه , وسأكتب رسالة ما , تعذب الآخرين جميعا , بحيث يكون لوفاتي وقع وصوت ! .

هذا الأسى الأبله , الذي ولد معي كأنه عرق وريد , و الذي لا معنى له , أستمر بطريقة لعينة , ومشى بي في طرق ما حسبت لها حساب , ولو سألتني : هل وقع عليك أي أذى كفيل بتعذيبك هذا العذاب كله ؟

لأخبرتك صادقة : لا , ولكني أحسب بعض البشر يأتون بجينات معطوبة في تكوينهم , وهذه الجينات المعطوبة هي التي تورثهم أداة مختلفة عن البشر , و من خلالها يتغلبون على صعوبة الحياة , غير أنهم يظلون مختلفين .

أحسبه بالضبط احتياج خاص , ولذلك و في التاسعة من العمر غدوت أكتب بطريقة مزمنة , فكان هذا الأمر يحدث قلقا ً واستغرابا ً لدى معلماتي .

وفي التاسعة من العمر أيضا كن معلمات العربية يتركن لي حرية اختيار موضوع التعبير الذي أشاء ؛ لأني أتجاوز مقاييس أطفال تلك السن أسلوبا و مشاعرا وحديثا .

وما كان انعزالي هو انعزال خجل , بل انعزال ترفع , فمنذ الصف الأول الابتدائي كنت وجها ً حاضرا ً في الإذاعة المدرسية , ولا يخجلني أو يململني أكبر رأس يتطلع إلي , حتى وإن كنت ألقي فقرتي بلا ورقة .وفي الصف الخامس , كنت أنا من يؤلف كل فقرات الإذاعة وأنا من ألقي ثلاثة أرباعها , وأتولى توزيع البقية على الطالبات , وأختار الفتاة المناسبة لكل فقرة إذاعية .

وما كنت أجلس _ إن رغبت بالتخلي عن وحدتي _ إلا مع المستضعفات في المدرسة , اللاتي لا شأن لهن , لا شيء إلا لأرفع من قيمتهن , وأدخل السرور لأنفسهن , أما المغرورات من الطالبات أو من لهن سند من معلمة , كقريبة أو أم , فما كنت حتى ألتفت لهن بابتسامة , وإن جاهدن للحديث معي , إلا إن تكشفت أحداهن عن طبع لين ومتواضع .كان لي مكاني الرفيع في كل مدرسة دخلتها , و كانت أسماء الطالبات تتحدد بمكان جلوسي : الطالبة التي عن يمين رحمة تقوم , الطالبة التي على شمالها تجاوب , الطالبة التي من خلفها تمسح السبورة … وهكذا دواليك ! .

فتاة موهوبة , تأخذ الأول على صفوف الدراسة وفي أقصى تأخر لها تأخذ الثاني .

ولدي والد له سمعته , وأختي رقية فلتة أخرى من فلتات المنطقة , تستطيع الإجابة على أي لغز نحوي وتستطيع الحساب كآلة حاسبة , ولها عقل رياضي متقد .

فكان هذا الأمر كفيل بجعلنا نجمتي المدارس التي نحل بها طالبات .

في المتوسطة يا ورد أصبحت لا أدخل المدرسة _ ورقية أيضا , وإن كانت تتكشف عن طبع اجتماعي أفضل مني _ إلا ومعي كتاب انتهي منه في فترة الفسحة و الانصراف , وفي فراغات الحصص , ولا أستجيب وإن حدثني أحدهم , وكان عندي مبدأ وثيق كالعقيدة أن لا أجلس مع أي أحد لا يفهم أسلوب تفكيري وحديثي .

كنت وحيدة جدا ً وأختار وحدتي , وفي أيامها أذكر أني كتبت لمعلمة ما رسالة , ثم نادتني وطلبت مني أن أشرح لها ماكتبت ! .

احتقرت الأمر جدا ً , أن تشرح فتاة الثانية عشر من العمر رسالتها لمعلمة في الخامسة والعشرين سنا , فقلت لها : دعك , ليس بالأمر المهم .

وسألت ماجد في تلك الأيام وهو يرافق أناس لا يأتون ربع معرفته بالدنيا : لماذا تمشي مع هؤلاء ؟.

فقال لي يومها : نحن الرجال نحتاج للعلاقات مهما كانت , أكثر من حاجة النساء , ولنا فيها مقاييس أخرى , كشهامة هذا الشخص , وكيف سيقف معك ؟.
وقتها لم أقتنع , وأخبرته : أفضل أن أظل وحيدة على أن أصاحب أشخاص لا يستطيعون مجاراة عقلي .

ثم لم أمضي قليلا أنا ورقية , حتى أصبح هذا التميز المختلف جدا : ضاغطا ً على معلمات مدرستي , فمارسوا علينا أنواع البلاهات التربوية .

وقتها تمردت بطريقتي , و اتخذت “شلة ” ضخمة , وغذيتها بكل ما يمكن من أساليب الحرب النفسية ضد تلك المعلمات , دون أن أظهر في الصورة , ولم أترك لأحد وإن خرم إبرة لينفذ إلي بعقاب , فقلبت مدرستنا المتوسطة رأسا على عقب , بل إن بعض المعلمات كن وقت توزيع الجداول السنوية يقسمن أن لا يدخلن لفصلي كمعلمات .

وكان في هذا التمرد عذاب لي كما هو عذاب لهن , غير أني مؤمنة تمام الإيمان أن كل خبراتي الحياتية لم تزدد فوق ما تعلمت في المتوسطة , لقد أنضجني الله ورقية بذلك السن , ونحن نراقب البشرية لما تحقد , ولما تغار , ونعرف ثمن كونك مختلف .

في الثانوية أصبحت أمشي كل يوم مع فتاة , وأتحدى أنا ورقية من منا تستأثر بأكبر عدد من البنات , وتحصل على أسرارهن , ومن منا تستطيع أن تجعل أكبر عدد من الفتيات الشهيرات بـــ “صياعتهن” يركضن خلفها ! .وفي نهاية النهار نعد مكاسبنا , ولم تبقى في مدرستنا الثانوية أي فتاة إلا وقد جاءت بنفسها وطلبت صداقتنا .

لم يحدث في كل سني حياتي أن طلبت صحبة أحد , أو افتخرت بصحبة أحد واقعا ً , كنت قرص العسل , وكانت البشرية فئران تجاربي للأسف .

وفي خارج المدرسة ـ منذ المتوسطة ـ كنت ابنة الرجل التقي , صاحب القلب الأبيض والعلم الواسع , وكانت صورة عائلتنا التدين , فكنت أذهب للتحفيظ عصرا ً , وفي المساء أذهب كداعية للقرى المجاورة , ويستفتينني نساء القرى وعجائزها في أحكام الشرع ويسألونني حلولا لمشاكلهن , ومهما تورد وجهي وأخبرتهن أني محض فتاة صغيرة تعرف القليل جدا ً , فإنهن لا يتركونني .

في الصباح نمضي أيامنا أنا ورقية ونحن نعبث على رؤوس البشرية , وفي المساء نمضي الوقت نكفر بأعمال صالحات تشبه أبي , وفي قلوبنا جنة من التقوى , لا أعرف كيف تتلاشى مع أول قدم نضعها بالمدرسة ! .

ونقلنا ذلك العبث الصباحي من المجال الضيق للمجال الواسع , وبدأنا نعبث برؤوس المعلمات , وفي يوم “ما ” اكتشفنا أننا غدونا متكأ البوح , لا لطالبات المدرسة بل لمعلمات المدرسة أيضا ً .

نحن الفتاتين اللتان حاولن فتيات المدرسة سابقا , وبكل طاقة لهن السخرية منهما , وهن يضعن أقلامهن على أذانهن ويمشين متبخترات من أمامنا , ويتحدثن لبعضهن البعض : ماذا تقولين يا أختي ؟ أتريدين الذهاب لدورة المياه ؟ ياله من صباح جميل هذا الصباح ! بفصحى مكسرة تضحكنا , ولا تهز لنا شعرة .

كنا لا نتقن الحديث بالعامية بسبب من والدي معلم العربية , وكنت كلما مشيت مع واحدة أظل أستحضر وبصعوبة المرادفات العامية لما أفكر به في الفصحى داخل رأسي , فكانت فلتاتنا من الكلمات الفصحى تثير عاصفة من الضحك , وكان التحدي أن نسقط كل هذه الرؤوس الساخرة معجبة بنا , دون أن نتخلى عن كوننا مختلفات عنهن .

وفعلناها , حتى غدت الواحدة تأتي إلينا , وتحاول أن لا يلمحنها صديقاتها , فكنا نسخر ونضحك من هذا الضعف المجتمعي الأخرق , والذي يقولب أصحابه على صورة البله .

فقررت أو قررنا ــ لا أذكر ـــ أنا ورقية أن نعترف بنشاطاتنا السرية المسائية , وننقل حقيقة أننا فتاتين صممهما والدهما لتكونا داعيتين , فبدأنا نتكلم عن الدين والشرع والله , وكنت إذا ما ألقيت خطبة الفسحة تجدين كل طالبات المدرسة وقد تجمعن , وأصبح حتى الدرج المؤدي للسطح مشغولا ً بالجالسين .

ثم ماذا ؟شعرت بأنني لا شريرة الصباح , ولا تقية المساء , وأنني لست داعية وإن خطبت بأحزن نبرة , وبكيت بأرق عبرة , و أني على الحقيقة لا أجد في قلبي أثرا ً للعشرين جزء من القرآن , والتي أحملها في قلبي .كنت أشعر بأني عار على نفسي , وأنني محض شخص يجلد نفسه على المنابر ساعة يتكلم عن التقوى .

في المنزل كنت أكبر مستمعة موسيقى , وأكثر الأشخاص الذين قد تعرفينهم مشاهدة لكل ما تنتج الآلة الإعلامية من أفلام , ولدي شهوات روحية ونفسية لم يتم إشباعها .

وبي غضب يمكن أن يؤذي أي أحد لو انفلت من عقاله حتى وأنا أبدو محض فتاة هادئة ناحلة رقيقة الصوت والهيئة .

وأخي ماجد رباني من فوق تربية أبي المتدينة لأكون فتاة مجتمع رزينة , فكان لا يلفتني أي شيء حتى وإن كان ملفتا ً , وكان من الصرامة بحيث أنني حتى وإن لفتني جمال شيء حد الدهشة ما ألتفت , أنفة وكبرياء .

وكنت أكل أقل القليل و لي في الأكل والشرب واللبس والزيارات طقوس هذبني عليها ماجد بأقصى ما يسع رجل مثالي من المقاييس , فأقسمت أني متى ما خرجت للجامعة فإني سأجد طريقا ً لا يمشي فيه قبلي أحد .

وفي الجامعة جربت أن أفشل أنا التي ماحدث وفشلت , وأن أحب أنا التي ماحدث أن ألتفت رأسي لأحد , وأن أجعل من نفسي غبية أنا مضرب الذكاء , وأن أبوح غاية البوح حتى لمن لا يستأهل أنا التي كان يعتبرني الكل سرا ً غامضا ً, وأن أرى العالم كما يراه بقية البشر الذين ما هذبهم عقل حاد , ولا عاشوا تحت تربية دينية تقية .

ومشيت مشيت حتى فقدت علاقتي برقية وماجد , ومرت سنين لا يكلم أحدنا الآخر , حتى وإن كنا بنفس الغرفة , و استمرت محاولات انتحاري ضارية , حتى دخلت المستشفى إثر محاولة انتحار كادت تنجح , ولم يعرف عنها أحد من عائلتي شيئا ككل محاولتي السابقة .

و أدركت في الجامعة معنى الذل والجوع والمرض , وحسبت عائلتي لفترة ما أني ما عاد بالإمكان أن أعود , غير أني عدت يا ورد .

وأصبحت الفتاة التي جربت كل حالات التطرف :عبقرية وغباء , تميزا وهمالة , مرضا وصحة , غضبا ً وهدوء طبيعة .

وغدوت لعائلتي مركز الاستشارات لكل ما يستجد للآخرين من أمراض النفس .وخرجت من رأس العفريت الذي حجرني كل هذه السنين أسبح بتقديس اسمه تحت بند : أريد أن أعرف ! .

وهذا الظمأ الروحي الأبله أخيرا تم أرواه ..

لست أنتوي تحويل هذه الصفحات لسيرة ذاتية يا ورد , رغم أني , لو شئتِ الحق أمتلك من اللامبالاة ما يجعلني قد أقدم من الاعترافات ما قد يقلب عالمي الصغير لأيام أو شهور , لكني أتحرز .

لا خوفا على نفسي , فقد حدث وجربت أنواعا من المرارات والخذلان , ومشاعر اليأس والموت ما يجعلني لا أخشى على ذاتي شيئا ً بعدها , كما أني أمتلك شجاعة فطرية أو يمكنك تسميتها ” حماقة ” لا تبالي بالمخاطر التي تأتي من خلف أي مغامرة , وإن كان نصيبي من هذه المغامرة إن لم أنجح .. الموت .

إني أتحرز لسبب كبير القيمة , نسبة لما أحسبها ” قيمي الأخلاقية ” : أني بالقدر الذي لا أحب أن يتعدى أحد على حريتي , علي أن لا أتعدى على حريات الآخرين , وكما أنني لست ملكا ً لأي أحد كان , فإن أي إنسان يعيش في دائرتي هو ليس من ممتلكاتي , وبالتالي لا حق لي في تشريح حياته أو مواقفه كتابة .

ماري قبل شهرين ربما , وبصورة أدق بعد كتابتي كل تلك الأوراق لك بيومين أو ثلاثة , تناقشت معي نقاش عريض , عريض وغاضب لسوء ما اقترفت يداي , ولم تقنعني ! .

أنا أحب ماري , أحبها من كل قلبي , وأحترم بجدية حقيقية ـ كما لم أكن جادة في يوم من الأيام ـ كونها صديقتي , لكني لا أحمل نفس هذه العاطفة اتجاه النصيحة , النصيحة التي تضع الكتابة في خانة ما هو لائق وما هو غير لائق , لأنني أحسب أن الكتابة طائر حر , فم مخلوق ليكون ثرثارا .

و ما كانت الكتابة الحرة يوما إلا ويسبقها الثمن , يرتفع على قدر قيمتها .والذي لا يريد أن يدفع ثمن لثرثرته الكتابية عليه أن يخرس , وأنا أختار الثرثرة على الخرس .لدى زوجي وعائلتي وكل من يحبني خيارات , أحدها أن يتقبلوا كوني أكتب كما يشاء عقلي , لا كما يشاء الآخرون , أما لو أخذ أحدهم على يدي دون أن يقنعني , فإني سأتدبر كوني مستعدة لدفع أي ضريبة .

 نحن عقول حرة , ومتى راعينا الخواطر في هذه الحرية أصبحنا عبيدا ً , وأنا لست عبدة , لا للمجتمع , ولا لأسرتي .

أحكام المجتمع وتقاليد القبيلة يجب أن تُراعى بحيث لا يهوي هذا المجتمع إلى وادي سحيق من التهاون في ما هو حرام بشرع الله , أما التقاليد التي لا يكون لها قائمة , إلا لأنها محروسة بأفعى من القيل والقال وكثرة السؤال ؛ فإنها لا تستلفني ولا ترعبني ولا تفعل مع عائلتي .

لطالما كانت عائلتي دون كل العائلات الأخرى التي أعرف , لا تراعي أي مبدأ للمجتمع لا يستند على منطق ديني واضح , وهكذا تطاولت فروعي لتلمس الشمس , ولا تقبل بالظل إلا كلحظة فيء , لا كمنطقة حياة مؤبدة .وإذا ما حدث وأقبلوا علي اليوم _ وهم لن يفعلوا _ ليضعوا لي كمامات , وقيود , من بعد أن أصبحت بهذا العمر فإنهم لا يستطيعون , لأننا يا ورد أصبحنا سهاما ً منطلقة خرجت من أقواسهم , و من قدرتهم على التحكم .

أتمنى من كل قلبي لو كنت أخاف لأجل أشخاص أحبهم كماري , لكنني لا أخاف , وأظن أن والدي أدرك هذه الصفة “الأزمة” منذ أن كنا صغارا وهو يقول :” لو كان أولادي يخافون كبقية خلق الله لما خشيت عليهم من المخاطر , لكنهم لا يخافون “.

نحن أقدار الله بالنسبة لوالدينا , وأقدار الله لا تخضع لمزاجهم .. آسفة , ولذلك عليهم أن يتقبلوا أولادهم كما هم , بنزقهم , بمشاكلهم , ويتعايشوا معها كما يتعايشون مع أقدار الله الأخرى .

وما في يدي غير أن أبذل جهدي أن لا أعنتهم في الوقت الذي أحاول أن لا أغش نفسي .

لا أحد يريد ـ أقصد لا أحد من أصحاب النفوس الحرة ـ ابنا يغش نفسه لأجل أن يعيش هو “الوالد ” براحة , لو ربيت في يوم من الأيام يا ورد طفلا ً خائفا ً فسأعتبر نفسي أدنى من أدنى حيوان في السلسلة الطبيعية .

 تتحدث ماري عن مسؤوليتي كـ أم لطفل , يعيش في هذا المجتمع الذي لا يهتم بأبعد من نشر الشائعات , وعن كمية العار الذي قد يلحقه لو كتبت على هواي .

و لأني أم , بصورة لا يمكن شرحها فأنا أكتب , أكتب لأدفع جزء من الضرائب التي سيدفعها لاحقا طفل , سأعنى بكل طاقتي أن أربيه ليكون متمردا ً .

أنا لا أهرطق وأفلسف الأمور , أنا أرى أنموذجا ً حيا ً أمامي : أمي وأبي .

لولا أن أبي وأمي دفعا جزءً من ضرائب كوننا أحرارا اليوم , لاضطررت و بـعنت لا حد له أن أتكيف مع كوني امرأة ومستعبدة , لا لزوجها فقط بل للمجتمع أجمع .

غير أن والدي دفعا نصف ضريبة التمرد , ودفعت أنا النصف الآخر .

أنا لا أرضى أن يعيش ابني فردا ً من القطيع , ولذلك أقاتل أن لا أكون من القطيع .

وعلى كل حال أن لا أطالب بحرية ماجنة , أنا أطالب فقط بحرية تكفل الله بحراستها يوم خلق الله الإنسان فردا ويبعثه فردا ً .

إني أحب الله يا ورد , ولأني أحب الله أحاول ـ يعلم الله ـ بكل طاقتي أن لا يكون تعاملي مع قيمي يقوم على رأي أي أحد عداه .

لو كانت شهواتي الروحية هي ما يجعلني أكتب كل هذا , فإني أطلب من الله مرة تلو المرة أن لا يسلمني لشهواتي .

وأنا انتظر اشارات الله دون كبرياء و بلا صلف , وأستمع لذلك الصوت الخافت الذي يودعه الله لكل قلب , واسأله دون كلل : ثم ماذا ؟

قبل أيام كتبت لك : أريد أن أن أتمهل لأثق أن هذه الكتابة ليست كتابة نزقة .وها قد مرت شهور وعدت , وفي كل مرة كانت الإشارات تهمس بيقين لا حد له : أحتاجك تكتبين , بما يُعتبر “نزقك اللاحد له “, وبأحلامك السرية اللا مدى لها , وكما أنت . وهذه أنا .

إن كان من سوء في كوني أنا كما أنا هنا ؛ فإن الله وحده الذي خلقني , هو من سيعلمني ويؤدبني كما يشاء سبحانه لمن هم من ضعاف مخلوقاته كأنا , لأن ليس في طاقة البشر أن يفعلوا .

أنا لست متمردة على ما هو حق , لكن الحق في مجتمعنا يتخذ مسافة طولها ربع متر في ربع , تكفي الإنسان ليقعد , أو ليمكث واقفا بلا حراك, لأن مجتمعنا يخجل من السائرين ساعة جلوسه , وهو جالس لأمد لا يعلمه إلا الله .

كما أني لا أتمرد على الأطر لمجرد التمرد , لأني أحب صورتي متمردة , فمثل هذا لو كان , لكان حرب خاسرة وسذاجة لا مبرر لها .

إني أتمرد بصورة دقيقة وواضحة على تعليب الكتابة , وتعليب الإنسان , وتعليب القيم بنفس الأشكال السائدة التي تلقيناها غابرا عن غابر .

ليكن أي إنسان كما يشاء , ليس لدي مشكلة مع الأشخاص والمسميات والأطر , ولكن لدي مشكلة مع أي شخص ينتظر , أو سينتظر مستقبلا أن أتلفلف على نفسي لأكون بمقاس آلة تصويره التي يحملها في كفه , ويقسم أن العالم كله موجود فيها , و كل الصور المختلفة عن الصور التي في علبته هي شاذة أو مشوهة .

أنا بالضبط أعترض أن أتشوه , مجاملة لمجتمع مشوه .

وهذه العبارة فيما أحسب لا يمكنني أن أشرحها بصورة دقيقة دون أن أخبرك عن حادثة شهدتها في منتدى ثقافي قريب , و كنت مشرفة فيه , وعداها ومثلها كثير , لكن هذه الحادثة تشرح بطريقة تكاد تكون دقيقة ـ فيما أحسب ـ ما أحاول قوله لك عن تعليب الإنسان .

في مرة من المرات كنت (ألفلف) بيوزري الإشرافي هناك , فوجدت مشرفا من المشرفين قد حذف ” بسلطته الإشرافية ” من مواضيعه بعض الردود القديمة له , تلك الردود التي كانت له وهو أصغر وأقرب للبشر .

وهي ردود حسنة جدا , وما يعيبها من شيء إلا تلقائيتها مع الناس , وتكلفها اللغوي الذي يبدأ به صغار الكُتاب .. فاندهشت صادقة .

إني أفهم دافع كهذا , يقع تحت سطوته الإنسان , وهو يتعايش بمنتدى ثقافي تجتمع فيه عقول ثقافية متحدية وراصدة , لكنني لا أستطيع التسامح مع كونه رضخ لسطوة متعالية كهذه ! .

أي تشوه إنساني مارس مع نفسه وهو لا يتسامح مع كونه كان إنسانا بسيطا ً يألف ويؤلف كبقية خلق الله ؟ثم أي تشوه مارس ضد نفسه ليقنع نفسه قبل الآخرين أنه لم يمر بلحظة ساذجة في حياته , وإن في مسيرة تافهة كمنتدى ؟! .

إنها لمحنة أن لا تستطيع السخرية من نفسك , والضحك على ماضيك , والاستهزاء بما أنت عليه الآن , وهذه المحنة حتى وهي بهذا القدر , كفاية .

 لكنها محنة مضاعفة لما نعرف أن من مسلمات الحياة أن الإنسان مهما حاول أن يكون مثاليا ً فلن يكون بمنأى عن سخرية الآخرين وأقاويلهم , فإن كان لا يستطيع السخرية من نفسه فكيف سيصبر على سخرية الآخرين ؟

أجمعنا لديه متلازماته الحمقاء , وكلنا لا استثناء لأحد , لدينا هشاشتنا الإنسانية التي لن تغرب عن ملاحظة الناس , وكلنا عين وألسن , وأجمعنا لديه ذلك الحس الساخر من الآخرين .

لكن قيمتنا لا تُقدر ـ نزولا ً ـ بكمية ما لدينا من مثالب يستطيع أن يسخر منها الآخرون , فالناس تستطيع أن تسخر حتى من فضائلك , قيمتك تثمن بما تستطيع أن تنتصر عليه من مثالبك ساعة ترغب أن تبهر ذاتك وترضيها , من قبل أن تفكر برضى الآخرين وانبهارهم .

وأحسب أن الحياة التي لا حماقات بها هي حياة غير موجودة إطلاقا ً , ونحن البشر جزء من عظمتنا التي تفوقنا بها على الملائكة كوننا بشر , و لنا زلاتنا و معائبنا , ولولا ذلك لاستبدلنا الله بقوم يخطئون ويستغفرون .

أفهم تماما أن يحذف أحدهم ردودا قد تسيء للآخرين , أو لصورته الأخلاقية , لكن لا أفهم أن يعلب الإنسان نفسه على صورة تمثال , لم تكن له طفولة , وقد تم إبداع تفاصيله على أفضل صورة مثالية .

لكن ولأني لا أريد أن أحمل صندوقي أنا أيضا ً فإني احترم قرار ذلك الإنسان , وأحسب أن ما أطلقُ عليه صفة ” تشويه الذات ” هو حقه الخاص مادام يتعايش مع نفسه ـ وقد حذف ردوده ـ برضى وقناعة وراحة  وتعجبه صورته تمثالا ومثالا .

أما تعليب الكتابة , وكيف من الواجب أن تكون , فقناعات لم أصل فيها بعد إلى ما أحسبه الحق المطلق , ومازالت آراء تفتقر للنضج ,لكني أسعى لاكتشاف هذا عن طريق التجربة والبحث في آراء من أثق بهم من المفكرين .

هل تكلمت معك عن النصائح المعلبة , الأمثال غير الحكيمة ؟

تلك التي تم تلقيننا إياها مقطرة كحليب أم , و متى ما أقدم شخص منا على فعل مختلف , فأنها تردع وتحذر ؟

تلك التي ليست بنصائح , وإنما هي مخاوف , عقبات , صناديق , أطر , نمط تفكير , تعرفها من نفسك ولا تستمع لها لأنك لا تستطيع أن تكون بقلب مدجن خائف .

ثم إنها لما تأتيك من خارجك يخبرك بها إنسان ـ أي كان هذا الإنسان ـ تبدو لك وبصورة يقينية أحقر وأتفه مما كنت تحسب وتحاذر بكثير .

هذا ما أشعر به : المجتمع كذبة كبرى , نحن المجتمع , وشجاعة متصبرة واحدة , تهزم جبن هذا العالم أجمع متى ما كانت محقة .

العالم يتجه للفناء , ولن يستطيع العالم أن يضر الحقيقة , لأننا نحن الأشخاص العابرون نموت وتبقى الحقيقة .

أدرك أنهم قد يؤذنني ولكنني أدرك أكثر منهم جميعا أني محض عابر يكتب ما يحسبه حقا , ثم أموت وتبقى الحقيقة , وهؤلاء جميعا لن يكونوا هنا بعد قرن من الآن .

كما أني مؤمنة أيضا بأن هذا الأذى هو أذى عابر يقع على صورة الكبد , الذي هو كما قال الله تعالى قدر يشمل بسطوته كل البشر , القاعدين والسائرين .

 أي الكبد أختار ؟ كبد يلحقني حتى وأنا أجلس , أم كبد يلحقني وأنا أتمشى عبر هذا الكون الواسع لله ” تجاربا وكتابة , و مجابهة ” كما أحب ؟ لقد اخترت كما ترين , ولذلك أيضا ً أكتب .

لقد ارتكبت حماقاتي وتجاوزتها , ثم كتبت عنها لما تجاوزتها , لا للذة البوح والثرثرة فقط , فلقد دخلت الساخر بالأمس فوجدتني بعيدة عن كل مافيه , ولا رغبة لي في مشاركة أحد منه أجزائي , و ما بي من الحنين شيء , رغم أني لم أدخله منذ زمن .

وفجأة وأنا أشعر بلا جدوى الكتابة العلنية قرأت لمالكوم أكس مقولة أحسبها تقول : (إنه لمن المدهش كيف يمكن أن تتغير حياة أحدهم بقراءته لكاتب واحد , أو نص واحد ).

المدهش أكثر بالنسبة لي هذه السكرة التي تغيرنا ساعة نكتب , هذه الطاقة الهائلة للكلمة المكتوبة ساعة تتسرب من بين أيدينا , هذا الشعور بأننا قد نفعل أي أمر شجاع , وإن كان السباحة عبر بحر من الجحيم لأننا عمالقة بصورة لا مثيل لها لحظة نتماهى حبرا وأبجدية .

نعم أنا لم أعد أشعر بالانسحاق والذل العميم ساعة أدون , وهذا أعظم انتصار حققته لذاتي في السنة الأخيرة .

وهذه التجارب التي كتبتها وأكتبها الآن , ما كتبت إلا لأنها لم تعد ضارة , وما عادت حية لتؤلمني .
النسيان صندوق المفاجأة الذي يقبع في آخر قاعة حفلة التجارب , الصندوق الغاية الذي نصل إليه بعد كل ذكرى جيدة وسيئة , ولا يبقى إلا طعم الحلوى وهديتك . وهذه أحدى معجزات كوننا بشرا ً .

بكل حال ماري ستحذف _ كما فعلت من قبل_ كل ما ستجده غير لائق , وأنا وهبتها هذه المساحة من العدوان اللامشروط لأنها صديقتي , أما أنا فسأكون “سمكة السلمون التي لا بد أن تقوم برحلتها الخطرة , مرة في العمر , عكس التيار عائدة إلى مكان نشأتها , مهما صادفها من عقبات ومصاعب ومصائد قد تكون قاتلة “, وبعد ذلك لا يهمني ما سيبقى من أثر خطوي وما سيمسح , وأي يد ستمحو كل هذا .

وماري التي أحب أنا آسفة لأني أنا , بالفعل آسفة إن كان في هذا أذى لك , لكن لاحيلة لي في الأمر , ربما لم أكن لأكون صديقتك لولا أنني هكذا , من يدري ؟ .

Advertisements