حرية مقصودة

mg_288_1 (1)

سألها عابر الطريق الجائع: لمن تلك النخلة؟ فتوارت دون أن تجيبه.

وفي يأس منه سأل أصغر صبي في القرية: لمن تلك النخلة يا فتى؟ فنظر له وهو يتلفت، ثم أسر إليه: لقد تجذرت من دم امرأة قُتلت بيد ابنها.. كلما أكل من ثمارها أحد من الناس مات، إلا أبناء ذلك القاتل إذا ما جاعوا يطعمون منها، فلا يموتون!

  • * *

اسمها الدهماء، أمة شيخ القبيلة، كلما بلغ فارس منهم وهبها الشيخ له، حتى يمتلك مؤنة الزواج فيتزوج.

وفي ليلة من ليالي الصحراء، اقتربت فيها نجمة الصبح من القمر حتى كادت تلامسه، دخل عليها شاب القبيلة العشرون يطلبها فراشه، فاستعبرت تبكي، وسألته: إن شئت أن تتركني يا أخي، يرحم الله قلبك ويهبك حاجتك.

فسألها: أتتصرفين كالمرأة الحرة كلما دخل عليك شاب منهم ؟

فتوارت خجلى تحت طرف ردائها وهمست بصوت خفيض : إني يا سيدي حبلى، وهذا وقت نفاسي، فإن شئت أن تطلب من الشيخ عني بديلة.

فخرج الشاب وهو شارع سيفه، يطلب خيمة كبيرهم، وصرخ بأعلى ما سمح له صوت غضبه: أأنا أهون رجل فيكم، فتهبونني في ليلة بلوغي امرأة نافساً ؟!.

فرد عليه الشيخ : بل وهبتك خير جارية لدي، ليكن ابنها لهذا المساء عبداً لك، فتكتسب عبداً وجارية، إن صبرت أربعين ليلة .

فسكن غضب الغلام وخرج، وفيما هو داخل عليها بلغه صراخها، فعجل بحملها وهو ينادي قابلة القبيلة.

فوقع في قلبه أنها ضعيفة.. أشد مما يحتمل قلبه، فبالغ في احتضانها.

فلما طهرت طلبها من الشيخ زوجة، فعاب عليه أهل قبيلته والقبائل الأخرى هوان مطلبه.

بيد أنه شد عزماً أن تكون حبيبته، وأمهرها ما يفك به قيدها وأعرس عليها، وأحضر لها من البنين عشرة، وكانوا يسمونهم: أبناء الجارية .

طفل ذلك المساء، الذي سقط للدنيا، لما اقتربت نجمة الصبح من القمر حتى كادت تلامسه كانوا يسمونه: «ابن القبيلة»! وكان هذا عاره .

وفي يوم «ما» خرج يتصيد الحبارى وهو عازم أن يتوغل في الصحراء حتى يبتعد عن مضارب قبيلته فيهرب .

أحس به قلب أمه، فاشتدت تركض خلفه .

ظنها غزالة واقتنصها، ولما وقع على ما صاد، وجد الرصاصة لم تعدو قلب أمه وإن بشبر، فبكى عليها حتى سال دم قلبه، ثم أقسم أن يتزوج خير امرأة في قبيلته، ويجعل من أبنائه فرساناً لا يقتلون أمهاتهم وهم يحسبونهن غزلان صيد .

أشد الأولاد شعثاً هو من كان يحكي متحمساً، وأردف :

الولد الأكبر لذلك الرجل «ابن القبيلة» ساد قبيلتنا، أما إخوته ففرساننا، لهم تلك الملامح السوداء المهجنة لو تراهم.

عجوز على عكازها، تلبس خاتماً فضياً ذا فص أزرق، يعكس ضوء الشمس، هشت الأطفال بعصاها وهي تخبرهم موجهة حديثها للرجل الواقف في ذهول ينصت: الأمهات يغفرن، الأمهات يغفرن حتى خطايا أبنائهن المقصودة.

وأنتم يا أولاد الكلب ما لكم لا تنطلقون لأمهاتكم؟ اذهب سعيد، أمك تأن لثقل دلوها، احمل عنها لا حمل الله عنك.

تنافر الصغار «كطيور قطا خائفة»، وهم يتلون تعاويذهم، والغريب المار ينكش الأرض تحت تمرة تبدو حديثة السقوط، ببقايا الجريد الساقط من النخلة الأسطورة، الأقدم من الأطفال، والأقدم من الفرسان، والأقدم من البشرية وحكاياتهم، المتجذرة في الأرض ، الأرض رحم البشرية، التي تحوي جارية هي أم بعض هؤلاء البشر التي تتحدث وتبني أساطيرها !.

استحوذت النخلة على رأس الغريب حتى غاب يتأمل، وأخذ يفكر وقد عاود الجوع قرص معدته :

أطعمها، أم لا أطعمها ؟

سأل العجوز على عجل: ما رأيك ؟

ردت وهي تحث الخطى مبتعدة: كل رجل يختار ما يناسبه، حتى العبيد يختارون !

ماذا يختار الأحرار يا خالة؟ صرخ وهو يشك أنها لن تسمعه.

أجابت العجوز بصوت يهدر كرعد، وكأنها عاصفة لا امرأة تتوكأ: فكر ماذا اختار الابن؟

رد الغريب: الخوف مما اختارت الجارية.

ثم استدرك وهو يحمل تمرة لم تيبس بعد: الأحرار يعرفون بعضهم . وأكلها ! .

رابط النص في الجزيرة الثقافية :
علما بأنه تم استخدام ذات الصورة التي استخدمتها الجزيرة الثقافية , شاكرة رسامها.

http://pda.al-jazirah.com.sa/culture/2014/20092014/mrag41.htm

Advertisements