أحاديث

إلى أناي : بعض مني !
والبقية تأتي ..

( وإذا صليت ِفأنت ترتفعين بروحك لكي تجتمعي في تلك الساعة بأرواح المصلين , الذين لا تستطيعين أن تجتمعي بهم بغير الصلاة )

 

_ ( النبي ) لجبران خليل جبران _

 

الفصل الأول

 

(1)

الشتاء أحلى فصول العام في جزيرتنا العربية الفضفاضة الرقعة , موسم الحب والخصب والطقوس , موسم إزهار الحياة في قلبي .

تمتلئ به روحي حكايا ..
تلتقط عيني التفاصيل منه , فتنسجها ملابس دهشة لفؤادي , مبهرجة بأغنيات الشتاء .
جبران , طاغور , الشابي , عمر أبو ريشة , وغيرهم كثير يسكبون أرواحهم مطعمة بالرقص في روحي وينتعشون , وأنا أشتاقك … مليئة بالشعر و أشتاقك .

أتدري يا أعز من حبات العيون ؟
للوهلة الأولى من وداعنا كنت أتسأل _ بدهشة بالغة من دقة القدر في اختيار الوسيلة والتوقيت الأقسى , واضعا ًالبشر على المحك في تجارب حياتهم _ : (كيف يعذبني الله بفراقك , وفي أكثر فصول السنة التي أحتاج فيها لروح أنسكب بها بوحا ً ؟ ).

ويشهد الله أني وجدت في بعدك من بعد , معنى من القرب يمتزج بروحي , بحيث لم تتجاوز أنملة من مكانك حيث كنت , هناك في النقطة الأعمق من الفؤاد ؛ تلك النقطة التي لو قُلبنا والكون بأسره رأسا ً على عقب لم تتغير أو تنقلب بمكنوناتها , ثابتة كأوتاد السماء ومثلها غير مرئية !.
كان وجودك في الحياة معجزة كونية , أعادت كتابة قوانين َبكر لحياتي , وغيرت مسارات أفلاكي , ثم أوقفتني في مسجد الصلاة شاكرة مذهولة بالخشوع .

كنت النصف المرادف لي , نصف التفاحة الخاصة بي , كنت أنت أنا بكل ما في المطابقة من تماثل ..
نسخة كربونية مني لا يميز بيننا شيء , وكنت دهشتي عندما فرغت الحياة من أي دهشة قد تنعش تواجدي .

كيف أنعم الله علي بكل هذا القدر من الحقيقة , في ساعة من الحياة هي أحلك ساعات حياتي , عندما كنت أقف على عتبة الزهد من العيش وأرغب بقتل نفسي ؟.

للحب سر رباني لا تملك أرواحنا في مواجهته إلا الابتهال شكرا ً.
كيف بدأ , كيف كان , وكيف سينتهي ؟ الله وحده يعلم !.

****
كلما اشتقتك غاية الشوق , وبرح بي الهوى همست أبتهل بإخلاص حقيقي لله:
( ربي أنت حاجتنا , وكلما زدتنا من ذاتك زدتنا من كل شيء ).

كدت أبكي في وداعنا,كادت تمزق حنجرتي غصة مسافرة تجر بكفها دمعة,لكن فكرت لوهلة:وحدهم المغادرون للأبد من نسكب عليهم فيوض العيون , أما أولئك الماكثون في منازلنا , من تشهد لحظات أعمارهم قلوبنا , وترقب تبدل ملامحهم عيوننا , فإنا نتعايش معهم باللامبالاة وحدها , وهكذا شيعتك .

لم نتفارق وهلة وأنت ..
أنت هنا حيث استوطنت القلب يوما ً, تظللك أحلام الوسن , ترعاك أكف الأحلام , وتهدهدك أغنيات قلبي .

ولأن الروح أثيرية لا يحدها شيء , لا يقيدها بعد , ولا تحجبها حواجز الدنيا بجميعها نذرت لك روحي .

أدرك أن تواصل البشر الواقعي : حديثا ً وملامسة ونظر _بدون روح الألفة_ لا يعادل تواصل وحيد يكون بين روحين متآلفتين , وإن فرغ اتصالهما من الصوت و اللمس و النظر ؛ فقدست تواصل الأرواح منا : بالتخاطر , والتسامي فوق الوجود البشري .

أصلي بعمق كل ليلة , أصلي وأنا أحلق بكل طاقاتي الروحية إلى مكان اجتماع الأرواح المصلية في السماء , هناك أجلس إلى جوارك وأتأملك حيث لا يتأتى الحضور إلا لأرواح تصلي بالحب لله الكون .

وهل هناك قوة في الأرض قادرة على منع اجتماعنا بالصلاة ؟! .

(2)

لست هنا في معرض كتابة لقصة حبنا المعجزة .
نكتب القصص عندما نشهد الخاتمة . القصص المفتوحة النهايات , من تملك يد القدر وحدها : خاتمتها , هي قصص يجب أن نمنحها الفرصة لتختمر في القلب , فلا نسقيها البشرية إلا عندما تعتق غاية الإسكار , وهل تعتقت قصتنا ليشربها أحد ؟!

إن خمرة حبنا المقدسة مازلت تواصل تعتقها في كوز السماء , مختوم عليها بصمت دهشتنا , وهي ليست لشرب أحد .

غير أني هنا أكتب لك بقية التفاصيل التي لا نستطيع أن نتحدث عنها في مسجد صلاتنا المقدس , لحظات الحياة الصغيرة التي غربت عن عيون مراقبتك , لأنسكب كلي ( بهذا البوح ) في بحر قلبك .

صيف كامل وأشهر مضت بلحظاتها , وأنا أسجل لك الصور والانطباعات بكاميرا الفؤاد , وتحميض الكيبورد ! .
لكن كارثة تقنية أودت بتلك الصفحات لهاوية الهلاك , فعلمتني درسا ً عن روعة القديم وإن تهالك , فاحتضنت صديقي القلم وبدأت أحمض به صور القلب , وإن كانت الجودة أقل والوقت المهدر أكثر .

كثيرة الأشياء التي كتبت لك , كثيرة حقا ً بحيث تبلغ أكثر من مائة صفحة …. بها عجالة أفكار , أتبعتها بدفتر ورقي صغير سجلت به مايفوق الثلاث مائة ملاحظة وفكرة وخاطرة تدفقت من جنون اشتياقي لك , فأي بريد أرسل به ما تمخض , ليكون بحقيقته خاصا ً بك ؟.
أ ُقفلت وسائل الاتصال في وجوهنا بجميعها , مغايضة ًو مناكدة ًمن القدر , ربما لنتعلم حكمة الفقد الكامل .

***

قبل أن أتسربل بالحب من أخمص القدمين لأطراف خصلات شعر رأسي كنت أتحدى : أن لا شيء يفوق قدرتي على الترك .
وعندما أحببتك ما عاد فزعي إلى ضرس من حديد ليفيد ! .
وهيت لنا , والرافعي يقول مؤكدا ً : ( آه ماكان لي ولهذا البلاء الجميل ؟! .
فإن عهدي بهذه النفس أنها مصممة حكيمة , إذا فزعت تفزع إلى ضرس من حديد , وإذا همت أمضت عزيمتها فما يند منها شيء إلا ضبطته وأحكمته , وإن عهدي بهذا العقل أنه نافذ دهي ذو حرب وسلم في أساليب الحكمة والسياسة .
لكن الإنسان يبتلى ليعرف أن كل ما فيه إن هو إلا وديعة الغيب فيه .. فما شاء الله ضر وإن لم يكن إلا نفعا ً , والأسباب كالعمر لا يملك الإنسان استمراره لحظة واحدة , وقد يستمر على ذلك ما يستمر( .

محاولات كثيرة ودؤوبة كانت ؛ لنمتنع عن كل ما قد يشوب علاقتنا من شوائب الطبيعة الطينية فينا , ومحاولات أكثر لنحترم رأي الملامسين لنا والمتشاركين معنا حدود حريتنا , من أفراد عائلتي وعائلتك , وكان مصيرها الفشل ! غلاب هو الحب , وأناني ..

غير أن الله من ّ علينا من بعد بنعمة أن نترك له وحده لا لأحد سواه , ليخرجنا من الحب الأدنى للحب الأعلى ..
وهل دروس الحب البشرية بجميعها وأنواعها كانت إلا لنفهم درس وحيد وأعمق عن محبة خالق الكون الأوحد.
إن الحب في سموه الإنساني المتزيد يملأنا بفيض حب , ينسكب في الروح حتى يتجاوزها للكون كله , فنحب الكون من محبة ذلك الواحد الذي كان نصفنا , نحب العالم بأفلاكه ومجراته , بكائناته الحية والجامدة لأنها تشاركت معنا وجود ذلك الحبيب في هذا الكون الممتد واللانهائي والذي يشملنا , لكن الحب الأصيل في أقصى ارتفاع مطلق له يوصلنا لمحبة المنعم الأكبر : الله .

وهكذا كان حبك !
فخرجت من محبة نفسي لحبك , من حبك لحب الكون لحب الله من بعد.
وأدرك أن الله لطيف غاية اللطف ليرأف بحالنا , وقد خرجنا من الحرص على نيل حظوظ أنفسنا لننال حظ من محبته وقربه .

عزيز كريم قادر هو الله على أخرجنا من ذل الفقد الضارب أطنابه في الفؤاد , ليعزنا امتلاءً بمحبته سبحانه , آمين .
ولولا الهوى ماذل في الأرض عاشق ولكن عزيز العاشقين ذليل !

( 3 )

متأكدة بادراك كامل وقد عشقت حتى الثمالة , أن الحب هو الوسيلة الأفضل لإنقاذنا .
إن حقيقة الحب الكامل هو توفيق مطلق من الله , لأن الروح تتكامل به , اكتمالا ً ما كان ليكون لها بغير سبيل الحب !..
( الحب كنز ثمين يودعه الله النفوس الكبيرة الحساسة )
في الحب غفران يجعلنا نغفر لأنفسنا زلات الماضي و هناته , وفي الحب تضحية تخرجنا من دائرة التمركز على الذات لدائرة العالم الأوسع , في الحب قداسية روحية تجعلنا نقدس كل ما هو سر للكون وغامض من غوامضه , في الحب معجزة تأكد لنا كل ما هو عجائبي ومعجز وخارج عن تصديق العقل البشري ؛ وهل وعينا بالكون يحتاج لأكثر من أن نخرج عن تصور العقل الضيق , للتصور الشامل المندهش لعالم الماورائيات؟.
في الحب دهشة ممتزجة بالزهد تخرجنا من الحياة غرئزا ً ورغبات , للحياة بالفضائل , ارتفاع الغايات والاتزان ..
للحب وجع وذل يذكرنا بكل وجع لمن توجع , وبكل ذل لمن ذل وبكل فقر لمن افتقر .

يا رب الكون يا رب السموات السبع ومن فيهن : ألست وقد أدهشتنا بالحب ولذته المطلقة اللامحسوسة , إنما تضع في عقولنا خلاصة حقيقة اللذة الكبرى للقائك , أنت السر المطلق الرباني في قلوبنا؟!

***
إن وجودك في هذا الكون يكفيني يا أنا , يكفيني أن أغمض عيني وأتصور مكانك في هذا الكون تتوجع لوجع كان لي , أو تبتسم لبسمة تنهدت من بين شفتي .

يكفيني أن أدرك أن إنسان في هذه المجرة يعلم حقا ً من أنا , تلبسني لدرجة أنه وصل لأعمق أعمق نقطة في دهاليز روحي .

يكفيني أنك ستغمض عينيك يوما ً وستتنهد , لأن تلك النقطة العميقة من فؤادك همست باسمي وسبحت .

يكفيني بالفعل أنك هنا في فؤادي مهما تنآت بك الديار , وأينما تنفستك سماء .

أمغمض عينيك الآن , تحتضن روحي ؟
أنا أفعل , ورب الحب أفعل ..أهدهد أرقك , وأشرب كل وجع يئز في فؤادك .

تدري يا أنا ؟
والله ما أريد منك مال ولا مأوى ولا جسد , ولو تأتى للحياة أن تسمح لنا بأن نجلس معا ً لما طلبت شيء أكثر من لمس أصابعك , تأملك ومشاهدة صورة روحي في اشراقة وجهك ..
والله لو كان الله يمن علينا بتغيير جنسنا لجعلت من نفسي رجلا ً لأصادقك الدهر كله , وأحدثك متى ما اشتهت روحي , نصف روح تتكامل مع نصف روح بالحديث والمجالسة لا غير .
ماتمنيت يوما ً أن أغير جنسي قبلك .

هذه الحرارة الروحية و التوق اللامحدود المترفع عن جميع الميول الأرضية , والذي يجمع أنثى بذكر , أي القواميس يمكن أن تأتي له باسم ؟

قبل أن تتلبسني مرضا ً لا فكاك منه ,كنت أظن الحب رغائب جسدية عنيفة مصبوغة بميل روحي مشبوب ..

وعندما عرفتك أدركت أن تلك الصورة من الجسد الممتزج بالروح إنما هي أدني وأول مرحلة من مراحل الحب , ثم ترتفع الحاجات , وترتفع النفس بالحب , حتى تجعل منه ميل روحي ليس من ورائه شيء , كما زوجين قد شاخ بهما الزمان , وجمعهما الود .

5/11/2007

Advertisements