2 حاشية قلب

 

 

(حافظي على قلبك , فالشعب المكبوت سيحتاجه جدارا ً؛ لكتابة هراءه بعد أن أصبحت كل الجدران غير كافية)

هكذا كنت تصرخ بي والجفاف يحصد حقول حنجرتك , ولا شيء في مدى حلمنا إلا السراب , والطيور تأكل من رأس شجاعتنا , وأنا لا أبكي ولا أكتب كما وعدت , لأن الكتابة هي تقديم قلبي ملفوفا ً في سولفان فاخر ؛ ليكتب الشعب المار عليه بقية من هراء .

البارحة كانت قاسية , وأنت لم تكف عن التمسك بتلابيب قلبي , متخذا ً من روحي معبد بكاء ضجر .
وكنت تعلم دون شك بأني أملك روحا ً طوافة , وجسدا ً معتزلا ً , وأحلام عمرها قرن , وقيود شديدة الإحكام , وأقاتل نفسي كي لا أكتب ولا أفجر ولا أكفر ولا أمارس صنوف الفن , فلم كنت تعذبني بك ؟.
ألا تدرك أيها القاسي حد الفجيعة أن جسدي ما عاد يحتمل , ورهبنتي ما عادت تنقذني , وأنا على حافة الانغماس في طوفان أحمر له لون الدم , وبه طعم الفقد , وجوانبه وحدة من فوقها وحدة من تحتهما وحدة , والحياد الموجوع سراب ! .
تذكُر عندما أخبرتك : لا أريد أن أتوجع لأني يجب أن لا أتوجع , ولكني أتوجع لأني أتوجع ؟.
ما عدت أفعل هذا , أصبحت أترك لنفسي هواها حتى تنصهر عظامي , وأغفل عنها , وأعمل .
ضيعت قناعاتي في هذا العالم , والتشبث اللحوح بقشة العقل الباقية في , لا ينقذني .
وقبل أسبوعين أو ثلاثة أرسل لنا صاحبنا تلك المرأة التي تعرف ؛ لتدخل على عزلتي , وتقدم لي روحها قوتا ً , وضحكت حتى بكيت , وبكيت حتى ضحكت .
وأدركت أن روح تلك المرأة الأربعينية فوق قدرتي على المقاومة , وفوق قدرتي على الاحتواء , وشعرت بروحي وقلبي وهما يذوبان كثلج صهرته نار , ثم يمتزجان بها .
كان البكاء حين ذاك يعني خسارة موقفي , أما هي فلم تسمح لي بأن أظن ذلك , وما كفت عن القول لي : يا عزيزة النفس جدا ً كلنا لله .
وأقسمت لها أني لا أبغي حظوة لنفسي ولا إعزازا ً , لكن سئمت , وأي أحمال لي هي لي , و لا أريد أن أثقل بها آخرين , وإني لأبخل على فجائعي ومواجعي أن أتفضل عليه بفضلة من روحي , فكيف أتفضل عليها بروح آدمية كاملة سواي ؟
إن مواجعي لا تشبع , ولن يُطيق حملها جبل غني بالخضرة والماء فهو عصي على التشقق والنحت , فكيف تطيقها روح بشرية مستضعفة ؟.

أنا أفقد رائحتي , وصوتي , وفضائلي , ومساويء , وأغدو جسدا ً خشبيا ً مجوفا ً , وهي المرأة الصبور تأبى أن تترك يدي , وربما أنا لا أستطيع ترك يدها .

أوجاع رهيبة رهيبة تمزق كل خلية من جسدي , وأدرك أني انحدرت مرة أخرى نحو هاوية لا قعر لها , والجحيم في باطنها جائع رغم شبعه بألف روح سبقتني !.
ولا أدري للحق كيف لأحدهم أن يترك نفسه للانزلاق , وهو يدرك أنه ذاهب لجحيم فوق جحيمه وما عاد به ذرة إنسانية تصبر ! .
ما الذي علي أن أفعله , أخبرني ؟
لا أحد منا يملك الحل , والنار تتعملق في جوفي , و هذه المجرة غبش لا أراه ! .
غادرتني الأهداف منذ دهر بعيد , والموت لا يأتي والتراب لا يشتاقنا نحن الذين نشتاقه لدرجة الاستجداء .
جربت الضحك كثيرا ً , ودخلت على مواقع النكت الرخيصة , وطرقت أصابعي كل أزرار ” الكيبورد ” بحثا ً عن متع لا تُخسر ولا تربح , أردت أن أقف على الحياد مرة واحدة ولو كان هذا الشيء في طلب متعة , ولكن ما وجدت ! .
لم تأتي الأشياء في هذه الحياة على طرفي نقيض ؟ لم لا تتوسط الأشياء في وقعها ومنحها وأخذها ؟
يا ترى هل هي من تمتنع أم أن أرواحنا المريضة من تأبى ؟
يخيل لي كثيرا ً أننا وهم ضخم , والكون وهم أضخم , وأننا لا بد أن نكون مجرد حلم لنائم , سيستيقظ بعد قليل على كون لا يشملنا , ولا نشكل حقيقة فيه .
وقتها ماذا سنكون أنت وأنت ؟
مجرد صفحتين متقابلتين من كتاب قدر لكائن يحلم ؟
ولكن أعساي أريدك حلما ً ولا أتوجع هذا الوجع كله ؟
ما أبأس خيارتنا , وأقلها وأضناها .

.

إنها لحاشية قلب يا أنا , أما قلبي كله فعصي على التداول .. ولأن قلبي ظلام فأنا أسود الصفحات ؛ لعل حبر روحي يخف أو يبهت , فتنفتح كوة ضوء في كوني الأسود الداخلي , وتنفرج الغمة ! .

لا تحاسبني .
الكتابة هي النافذة الوحيدة غير الموصدة أمامي , وأعرف أننا نتفق سواسية أن الكتابة قضية لا مزاج ولا بوح , ولكن تفيض الكأس كثيرا ً بأحمالها , ولا بد من قشة تهد ظهر البعير … قشة البارحة هدت ظهر بعير صبري !.
أفكر في الدنيا والكون والناس , ولا أجد لي مهرب , ولا أبغي عندهم مهرب , أستعرضهم جميعا ً في قائمة أرقام  “جوالي” , في عناوين ” ماسنجري ” , في وجوه أهلي وصديقاتي , وأدرك أني غنية عن الجميع إلاك .
وغنية عنك في نفس الوقت جبرا ً لا صبرا ً ولا اختيارا ً .
أخرجهم جميعا ً من نوافذ القلب , ومن بوابة الروح , وأوصد ضدهم متاريس صد مفعلة , وأرفض أن أترك لأحدهم أن يلمس خلية من فؤادي , لأنهم يؤذونني عندما يفعلون .

 إنهم يتركون بعدهم امرأة تجلد نفسها بسياط الذل حتى تنهار , لأنها أدركت بأنها لا يمكن أن تحصل على عزلتها النهائية ولا تصمت .

 متى سأكبر ؟
أجد نفسي _ كلما قلت لنفسي أني كبرت _ في نفس المكان , وروحي تتسع لكن لا تشيخ , على عكس كائنات خلق الله الذين يحل بهم ضجر ويشيخون .

 أكثر ما أرعبني في تلك المرأة الأربعينية التي وقفت ببابي أنها شابة الروح بطريقة فادحة .
شابة الروح لدرجة أنك تشك أنها في بدايات العشرين , إي والله .
وشعرت بفجيعة كاملة وبكيت , بكيت حقا ً , ولم أستطع أن أقاوم رعبي وذلي وهواني وأنا أرى مستقبلي ماثل أمامي بذلك البين الواضح ! .
ولما سألتني لم تبكين ؟
جف صوتي , ثم استدركت بعد صمت طويل : أنت لا تكبرين ! . .
ولكنها استدركت علي : ولكن لا بأس صدقيني , لا بأس .
كيف لا بأس يا أنا ؟
أنا لا يمكن أن أحتمل أن لا أشيخ , أنا انتظر شيخوختي على أحر من الجمر لا يمكن أن أبقى مثلها أتعذب شابة .. إن هذه لهو المرار الرهيب .
وأخبرني من بعد _ صاحبنا _ بأن أصحاب الروح التي كأرواحنا لا يكبرون , وأنهم يسافرون في رحلات روحية ولا يظهر عليهم أثر السفر , ولا بعد المراد .
تبـا ً وسحقا ً حتى يشيخون ! .
تذكرت حينها يا أنا فيلم( الخالدون ) وأدركت معنى العذاب الذي يصورونه في تلك الأفلام , عن البشرية التي لا تموت ولا تشيخ ولا تتغير .
من الذي يريد الخلود ؟
لولا أننا مغادرون لما تمتعنا بالأشياء , ولا أصبح للحياة عندنا معنى .
الركض , التنافس , التحدي , الإسراع في التعلم , وفي اكتشاف الأشياء هو الذي يمنحنا الصبر لأننا نقتات على دهشات متكررة مهما صغرت , وانعدام الدهشة موت مؤجل .
تحدث كثير من الأشياء في عالمي هذه الأيام , فلم عندما أحكم إقفال كوني تتسرب الأشياء بكثرة من ثقوب أبوابي ونوافذي , وكأنني تركتها للريح مشرعة ؟!.
ربما أنا أصبح حساسة أكثر لأي نسمة ريح وروح تزورني , ولذلك أكشر عن أنياب غضبي , وألتهم روحي تأنيبا ً ! .

 كان أخي يقول دائما : إذا أردت أن لا يلاحظ أحد شيء يهمك , فدعه مرمى على قارعة طريق ؛ لا يتلف الأشخاص للأشياء المهملة .
وأنا أحاول أن أهمل كل شيء , أهمل جديتي , أهمل هوسي بالكتابة , أهمل أهدافي , أهمل عزلتي , وأهمل كل ماقد يخصني , لتتوقف الأقدار عن تعذيبي باستلابها والتعدي عليها .

 مفجوعة لأني أكتب الساعة , وفي أسفل معدتي ينز وجع غاضب , وصوت ساخر يقف على جانب من فؤادي مشيرا ً لي بأصبعه ويقهقه .
سافلة الحرب عندما تبدأ بك منك , فتنتصر نفسك عليك , ولا تدرك أي جوانب روحك الأصح والأجدر بالتأييد .
.

أخجل من نفسي كثيرا ً لأني أنانية ولا أرى سواي , وأمارس عزلتي في الوقت الذي أدرك أن كثر يحتاجون لروحي .
يقولون : ( الأروح قوت للأرواح ) .
وأنا أعرف في قرارة نفسي أني أتعمد عزلتي بهذا القسوة ؛ لأني لا أريد لأحد أن يقتات من روحي , وخاصة أن روحه لا تشبهني ولا يمكن أن أقتات منها .
نحن نملك أرواحا ً متشكلة يا أنا , بحيث قد نتشابه مع أي روح حتى يظن الشخص الآخر بأننا نسخة منه , ونحن أبعد ما نكون عنه .
فيقتات هو من تشكل أرواحنا , ونحن لا نقتات من روحه ! .
من الأصدقاء يا أنا ؟
الذين يتبادلون قوت أرواحهم بنفس الفعالية والدرجة , وهم المتآلفون .

وليس في الحياة كثير أرواح تتآلف معي , إنها قليلة لا تتعدى الأرواح الأربعة .
وبقية الكون لا يشكل لي أي قوت , بل إنه ثقب أسود يجذب روحي إليه , يتشبث بها , وينهكني .

أقوياء الروح , الذين يمدون يد المساعدة لكل أحد ,  هم أشخاص يستمدون طاقتهم من عبادة الله , فيصدرونها لخلقه , ثم لا ينهكون , ونحن أبعد ما نكون عن مصدر النور الحقيقي , وملهم الصبر والسلون .

والحق أنني لم أصل بعد لمصدر النور , ومازلت لا أطيق أن يعتمد العالم علي , ولا أن يحسن بي الظن , ولا أن يطالبني بشيء .

ولأنني لم أصل لهذا الاكتفاء بعد , وربما لا أصل أبدا ً فأنا أكتب ! .

 و عندما تأتي الأشياء متدافعة بهكذا درجة فأنا أمارس عزلة مع الفن رغما ً عن حاجة الكون كله لي , اقرأ لبعض المجانين الضائعين , وأتوسد بعض المجانين الضائعين الأخر , وأكتب .

منخورة بالفراق والعذاب ومازلت أمشي , مقتولة ومازلت أمشي , حقيرة ومازلت أمشي , وكل الأشياء التافهة والعظيمة ومازلت أمشي ؛ لأن الموت حق لم ينزل بداري , ولا يحق لي أن أجلس وانتظره .
إن في الصمت يا أنا إشارة لا تخطئ عن وجع عظيم , وإن الحزن لمفردة صغيرة جدا ً ؛ لتصف ذلك الضجر الحقيقي المتسرطن في الروح , الضجر الحقيقي حتى من ملامسة ملابسك لجسدك .
لذلك صمت يا أنا , صمت صادق عسى الله أن يرأف بحالنا .

هل علي أن أكف عن الكتابة مطلقا ً؟ أم ألملم شعث نفسي على مقدار قصة ومشهد لا يفضح ؟.
أخبروني أيها السيارة فقد وضعت في أكياس حملكم صواع قلبي! .
يخال لي أن محترفي القص والشعر لا يمارسون هذه القيود من الكتابة ؛ إلا ليحتفظوا بالفضائح مستترة بأستار الأدب وقيوده!.
وأنا التي لم تسترني قصة , ولم تطوع لي القصائد نفسها , و أهش من إغراء قلم يبوح .

 احتقريني أيتها الصفحات فأنا أحتقرك , احتقريني اليوم وغدا ً ؛ لأني ورب الأقلام لا بد منتصرة يوما ً عليك , وعلى غوايتك , وسأكون أكبر من كاتبة , والورقة أدنى من أن تغويني .
لا تنظروا إلي , كفوا عن القراءة لي , إني استحم بعزتي فأريقها حبرا ً أسود , وأي شيء أذل على الكاتب من أن يستحم بعزته وقلبه , وماء ستره ؟.

 قاتلكم الله معشر الكتاب الغاوين المضلين , وقاتلني الله لجواركم , فأي شيء نقدمه للكون سوى الهراء واستعراض حقيقة الوجود الواقعة في ضمير كل أحد ويعرفها كل أحد ! .
نحن مجرد أصوات , أصوات لهذه البشرية , فمن الذي يرضى بأن يكون صوت لا فعل , ومن الذي يرضى بأن يكنس كل حقائق البشرية ويجعل من الورقة محض مغرفة ؟! .
ما حاجة البشرية للصوت ؟
إنها ماضية دون أن تحتاج لأصواتنا , وأصوات أفئدتهم التي يسكبونها في ضمائرنا … أمعقول أننا نقرب لهم حقائق أنفسهم التي لا يفهمونها ؟.
إن كنا نفعل ذلك فإن الكتابة استبصار , رغم أني أشك في هذا لكثرة من عاشرت ، إنهم يعرفون حقائق قلوبهم دون أن نبصرهم بها .
يا الله حررني , حررني فأنا مستعبدة أكتب منذ الثامنة من العمر , وإنها لعبودية طويلة يا الله .
أريد أن أثور على كل قيودي , حتى لو كانت بمقياس قلم وورقة , فالقيود توجعني وأنا امرأة جموح .
أغمض عيني فلا أرى سوى قدر واحد لي مستمرة عليه منذ مولدي , وروحي تُكرس لهذا الهدف بكل الوسائل , وأنا أريد شيء آخر فقد سئمت .
يا كتاب روسيا العظماء الأجلاء الذين أحب , أريد كراهيتكم الساعة قليلا ً , وأريد أن أكفر بكل ما هو أدبي وثقافي وحقيقي مني .
ولا أريد شيء بعدكم , لا أريد شيء حتى لو وضع في أواني مذهبة , وأباريق من مرمر .
و إن كان لا بد من خيار فأريد أن أجن أو أموت .

**

مالذي أكتبه الساعة ؟
لا أدري !
ولكن أحررني , أحررني بذلي ! .
فما حصل يوما ً أن ذلت امرأة نفسها إلا ثارت لكرامتها , ولا بد أن أثور لكرامتي , والكرامة عندي تحرر من كل شيء .
من كل ما أعيش لأجله , حتى أصبح عائشة لأجل الله فقط , أو لا لأجل شيء , إن أبى الله أن يهبني نور رحمة ويقين .
أنا عنيدة , عنيفة , ” عبيطة ” , شرسة , و الكون لا يمكن أن يسير على حسب مزاجي , أدري .. ومع ذلك أريد و لو .

 6_ 4_ 2009 م

Advertisements