1

 

 

 

_ يقولون : ” الطفش مو زين ” .
* _  قولي : قسم !

_ والله العظيم .

 

*_  ثم ؟

 

_ صعب يا أخي أن تكون أكبر مهماتك في الحياة عندما تستيقظ صباحا ً أن لا تموت .
وأن تكون أكبر انجازاتك أن تبقى حيا ً لفترة مقبلة من الحياة , وإن كانت تبلغ جزء من الساعة .
إنهم يقضمون القلوب بطاحونة التقاليد كل يوم , كان عليهم أن يدركوا أن لاشيء يقف أمام قلب عاشق .

*_ وكأنك ستغير الحياة ؟.

_ لا أنوي تغييرها , المشكلة أنني لا أنوي تغييرها , إنني أرغب أن لا يكلفونني بمهمات أخرى لا تناسب قياس شخصيتي لا غير ـ مادمت قد أطعتهم بمقياس تقاليدهم ـ هل من الصعب جدا ً أن يتركونني أتنفس ولو من خرم إبرة الوحدة ؟.
أريد قليل من الوحدة لا غير , الوحدة الكاملة , حتى تنبت على شفتي تشققات صمت عطشان  .

* _ يا أخي أنت ” رومانسي بشكل ” .

_ نعم لأنني عاطفي جدا ً أصبح الكون بالنسبة لي نافذة مفتوحة على تفاصيل ساعة من الداخل , منضبطة التفاصيل , وتشبه الحقيقة الكونية , لكنها غريبة عن قلبي .. إنني لا أسير كساعة , أنا أتمايل كزنبرك , وقد أستطيل , أتمدد حتى أصبح غير قادر على الرجوع لحالتي الأولى , إنني مطاطي وقد أذوب تحت حرارة اليأس فانتحر .
لكنه هذا العالم اللعين وقد انتكست مفاهيمه هو من أحالني لذلك .
ماذا كان يقول ذلك العاطفي الأحمق كمثلي ؟.

( انقلاب تاريخي : اللامهذب لم يعد الجنسي، وإنما العاطفي، محرّما في الحقيقة باسم أخلاقيات لم تعرف من قبل …
إن كل العالم يعرف أن فلانا يعاني من صعوبات جنسية ، في حين أن أحدا لا يهتم بالشقاء الذي يعانيه فلان من عاطفته، والحب فاحش بالذات لأنه يضع العاطفي في موضع الجنسي، مثل الطفل العاطفي الشيخ فورييه وقد قال ” الذي يموت عشقا هو  بنفس تلك الدرجة من الفحش التي يموت بها الرئيس فلكس فور نتيجة للاحتقانات الجلدية بجانب عشيقته ) . دانيال شارل

إنني مصاب بالأرق حقيقة , وهذا شيء سهل , الشيء الذي يبدو غير سهلا ً في الأرق , أن تتخيل أن كأس الماء الوحيدة التي تعيش بسبب منها , يشربها شخص آخر بترف لا يعني له أي شيء .

 

 أنت كأسي الوحيدة , فتبا ً لي كيف أضعت روحي دون أن أقاوم كفاية ؟.

* _  ألا تشعر بأنك تبالغ في ردة فعلك تجاه الأشياء ؟ .

_ ليتني أفعل ليتني أفعل ياصاح ! لكن تلك حكاية أخرى يجب أن نتفرغ لحكايتها .


أما الآن فإنني أهذي بطريقة واهنة غير راشدة , ولذلك دعنا نرى أي مسودة ستأتي بها هذه الصفحات ..


لا تظن أبدا ً أنني جئت هنا ليتفرج العالم علي , أو لأتحدث لهم بصوت مرتفع _ مع أن هذا وارد بشدة _ إنما جئت لأتحول من غرفتي الصامتة وفراشي المخدر بالمرض , ورائحة الجو الذي لم يتنفس الشمس منذ شهر حيث هنا , لعل التقلب على جنب آخر يخفف من تقرحات الجسد المستكين منذ ستة شهر على جنب واحد لا ينقلب .
إنني أصرخ بصوت عال , أعد مع الساعة الدقائق , أشرب قهوتي باردة , لم أخرج من غرفتي منذ قرن , أتنفس هواء ملوثا ً بالصمت , و الاستفراغ المريض منذ أسبوعين , أتناول شرائح جبن وبسكويت طوال المساء , أصرخ في كيس من النايلون ساعة كل يوم , وأقف أمام المرأة وأغير ملامح وجهي بيدي حتى أتعب ثم أنام … هل هذه حياة ؟.


* _ إنها ليست كذلك ؟ ولكن كل هذا بسببك , تستطيع اختلاق هدف أيها المخروم العقل .

_ هاه ؟ .
هدف ! .
كيف ملامح هذا الشيء ؟ .
اسمع أيها الصوت الشاذ , أعرف أنك أحكم مني بمراحل , يمكنني أن أرى ذلك من ملامح عيونك , يمكنني أن أتنفس هذا من بين أسنانك , يمكنني أن لا أشك في هذا من طريقة تناولك لطعامك بكل هذه الشهية , لكنني لا أريد الاستماع لك , لقد تحدث الكون طويلا ً إلي , وجاء دوري لأتحدث ..
سأحكي لك قصص , سأكتب لك كثيرا ً , سأهدهدك بالملل حتى تتثاءب وتنام .. لا عليك .

 لكن الآن والآن فقط أريد أن أصرخ بصوت عال , أن أزلزل جزيئات الفضاء النتي بصراخي حتى تتشظى , وثق بي لن أحدث انفجارا ً نوويا ً , فاعتراضاتي أهون من ذلك بكثير .
دعوني أتحدث وأشرب من عطش الحديث شراب السكينة حتى تنبت في رأسي شجرة الكفاية وبعض من هدوء الحكمة .
ياذو العظمة الخالدة , يا الله إني أموت .

 

 

*

 

_ كنا معا ً ياصاح , كنا معا ً .. تخيل .
ثم ماذا ؟.
أنا هنا أكتب من على بعد ألف سنة ضوئية , وهو هناك في عالم آخر يبعد ألف سنة ضوئية أخرى ويقرأ كل هذا الهراء الذي أكتبه , إنه يتعاطى حكمة العيش في الزوايا يا صاح , إنه لا يتفرج من زاويته كما قد تظن , أبدا ً , إنه يجلد نفسه لاغير .

 ويبالغ في جلد نفسه حتى تصبح الأسواط هي أربطة الجسم بدل مفاصله وعضلاته  .
إنه يذوب , ليس كما تذوب الشمعة , بل كما يذوب الذهب من أثر الزئبق .
وأصبح صامتا ً كسفينة نوح وقد غادرها راكبوها منذ ألف عام في زاوية من العالم منسية , إنه هرم كعروق عجوز نافرة , وبصوته بحة لا تشبه شيء إلا حنين الرياح في الكهوف , إنه يغامر بالعطل يا صاحبي , يغامر بالعطل تاركا ً إياي خلفه وأموت  .

لم أعد كفايته ,  أعرف واثقا ً أنني لم أعد كفايته , وهو لم يعد كفايتي , ليس لأننا مختلفي القياس روحيا ً , بل لأننا نتمدد باتجاه الكون المرتفع الماورائي , وهذا الكون لا يسمح بوجود الأنصاف , إن الكون يريدك بذاتك ولوحدك .
حاولنا جهدنا أن نقنع مرآة السماء في الأعلى أننا شخص واحد , واحد لا ينفصل في ردات فعله , وفي اتجاهاته , وفي طريقة تعاطيه مع الأشياء , لكن مرآة السماء عكست لنا صورة العالم الأدنى ساخرة , وجعلتنا نرى فيما خلف صورتنا الواحدة أنا وهو : كون دنيوي كامل يفرق بيننا , وينحشر مابين روحينا كعفريت متخفي بنذالة فادحة .
لم أبكي يا صاح , كان تحديَ للسماء يشبه تحدي تلك النجمة لإرادة الله وهي تصرخ بشقيقتها الأخرى من النجوم , سأدور حول السماء أيتها النجمة المستعينة بربها , شاء ربك أو لم يشاء ! , فجعلها الله تتنقل مابين المغرب والمشرق دون أن تدور حول الأرض , بعكس شقيقتها التي سلمت كفها لله فأدارها الله بصمت حكيم حول محور الأرض حتى يوم الديمومة  . وأنا لست النجمة الغبية التي لا تسلم أن أرادتها إنما بيد الله .

للحق ياصاح , وأقسم لك , أنني كشجرة لبلاب ضعيفة , تتمدد حول أي جدار واقف بالقرب منها , وتتفرع تتفرع , لكن سر قوتها في ضعفها , فلأنها ضعيفة لتستند على الآخرين , هي قوية المرونة لتتمدد , وتتمدد .
لا أريد لأحد أن يرحم ضعفي , إنني أريد أن أنحني برأسي لمركز توازني حيث نمت جذوري لأول مرة , هناك سأجد نقطة توازن الكون وأتزن .

يا نقطة توازن الكون المتقلب , العنيف السقوط في معدتي الساعة , كفي عن التهاوي في دماغي , لأني متأكدة أنك تهوين بصورة وهمية في داخل رأسي المرتج لاغير , أما أنت فثابتة كوتد من أوتاد السماء , بحيث لا يدركك إلا الراشدون .
البارحة كنت أشاهد كوابيس ضالة وسادية العذاب , ورأيتني أقف على حافة الكرة الأرضية , وراقبت الأكوان والسموات تتساقط من تحتي , دخت وهويت هويت حتى استيقظت , سقطت من سريري وتهشم قلبي , و حطمت كف كوابيسي العاتية بقية شجاعة كنت أدخرها لهدف أخير راهنت عليه .

* _ روح نام يا صاحبي , شكلك تهذي .

_ لا أستطيع , النوم هو الذي يختار الزيارة في حالتي , ولذلك أدرت له ظهري من ثمانية عشر سنة , هكذا بظني تغري أحدهم بالزيارة , لكن أعترف لك أن النوم في علاقته معي عنيد متكبر , ولم تنفعني كبريائي في تحطيم كبرياءه , إنه يشبه صاحبي , الذي أضاع طريق العودة إلى عالمي ..

 

* _  أنا أبغى أنام والله , يا أخي أنت ” مابدك لتنام ” ؟.

_ ولكن , هل ينطقونها بهذه الطريقة التي نطقت بها , أم أنك تتكلف هذه اللهجة لتستهتر بي ؟.
لا أريد أن أنام , خذ وسادتي وألتحف بطانيتي , لعل دفء يأتي منها يشعل حطبا ً في جليدك , أما أنا فدعني أرتب الأشياء من حولي , دعني أختصر المهمات في ذهني , وأتخذ نمطا ً موحدا ً في أصغر الأشياء وأدقها , فهذا الشتات الحاد لذهني لا يحتمل أشياء جديدة , يجب أن أنمط كل شيء في آلية واحدة : طريقة إعدادي لقهوتي , كيف أستيقظ في الصباح ؟  نوعية المكالمات التي يستقبلها هاتفي , طريق موحد من البلاطات يجب أن لا أنحرف عنه باتجاه حمام غرفتي , ونبرة صوت واحدة لا تتغير لكي لا أراقب نوعية الأصوات التي تصدرها روحي  …
يجب علي أن أعلق عيني بمسمار تركيز , شديد الإحكام على هدف موحد في كل مرة , لأتوقف عن التشبه بدمية منزوعة العين للداخل ,  فلا تشاهد إلا ما بداخلها  .
وعلي من فوق كل هذا أن لا أغالي طويلا ً في هذه الحالة من الثبات ؛ حتى لا أتخشب أو يصاب معدني بالصدأ .

أدري متأكد : أن حطاب من البرية أغنى وأثبت من روحي , رغم أنه منفتح على الكون أكثر مني , لكنه منفتح بالطريقة الصحيحة , إنه منفتح باتجاه الظاهر من الكون , وأنا منفتح باتجاه الباطن من الكون , حيث تحيط اللزوجة بكل شيء , والعناكب نسجت خيوطها على كل زاوية  .

لماذا أشعر بأني مستهلك لهذا الحد , كجلد لأفعى استبدلته فأستوطنه النمل حتى أتى عليه ؟.

إني أوفر شجاعتي في كل ساعة من اليوم , وأجتهد أن أنشغل حتى ما أرى ملامح الضوء حولي , وتقلب الطقس في حياتي , لكن كل تلك المشاغل ليست كافية لتبديد اتساع الحياة في ضميري , والتي تضخمت بفعل ذلك العشق , ووجود ذلك النصف , حتى غدت أعمال حياتي القديمة غير كافية لسد رقعة الاتساع الروحي الذي أورثني إياه الحب ! , إن حيوات ثلاث لا تكفي لسد ما تركه نصفي من ثقب مشرع باتجاه الحياة والعاصفة .

أترحل داخل روحي حتى أشعر بأنني أشبه ما أكون بشيخ بدوي , لا يثبت عنده وتد , ولا يبرك بداره جمل .


أهش عن عيني ذبابة الضوء وأغمض عيني في محاولة عقيمة أن لا أتبدد كشعاع الغروب الذي أراقبه , فأسود خجلا ً من دموعي الحمراء وجعا ً , لكن الشمس الحمراء الضخمة التي أشاهدها من نافذتي تقتل كل أمل لي بأن أصبر , فأبكي وأبكي حتى تتكلم الأرواح من ثقوب جدراني وتتنهد ! .
تبا ً ! , كم روح مبددة في جدران غرفتي , تراكمت على شكل تراب حتى تشكلت بها طوبات شقتي ؟.


إنهم ينوحون بصمت وأنا أبعد ما أكون عن الهلع , أصافحهم بكفي وألمسهم بأطراف أصابعي , ثم أشتمهم بغيظ ممزوج بالكراهية : لقد انتهى وقتك في هذه الحياة أيتها الذرات المبددة من أجساد مترممة , وما بقية أجسادكم إلا شيء منفصل عن أرواحكم و لا علاقة بينكم . ولكنهم يستمرون بالنواح , تلك الذرات المبددة الغبية ! .

إني أحاول النوم أحاول النوم ياصاح , وشخيرك يغري بذلك , لكن طفل يتقافز في مخيلتي ويصرخ : لا تتركني هنا وحدي . فأحد له نظري وأجرجره من كفه وأذبحه .
سئمت من ماضي , سئمت من صورة الطفل في داخلي , سئمت من رائحتي , ورائحة الديار القديمة , ووجه عبد بيتنا وهو يسحب الماء من بئر منزلنا القديم وينز عرقا ً ولا يتكلم , ولا يشكو حتى بملامح وجهه , لأنه أخرس أكثر من وجه الماء الذي يضرب فيه بدلوه .

أريد أن أنام لكن النوم أعتى من صمت ذلك الأخرس , وهو يقطع الدار ألف مرة من البيت حتى الحقل , مابين طلبات أمي ووالدي دون أن يتذمر .

أمسك بكف نعاسي , دع موسيقى شخيرك ترتب لي سريرا ً ولحافا ً وطمأنينة عين لا تخاف الكوابيس .

 

***

 

* _ هل مازلت مستيقظا ً , ترعى خراف الأرق وتهش بعصا الكلمات حزنك ؟.

_ لا إنني أستنير بالبوح , أستنير بالاعتراف أمام وجه الفضيحة الفاغرة فاها , وأتغنى بجريمة تمردي .

لا عليك أنت , لا تقلق خلايا دماغك بمظهر بشرة عيوني , الملوثة بدوائر سوداء , ولا تبالي بالقلق وهو ينز من تحت أظافري وكيف أرتجف , لا تقلق من كل هذا , لأني سأحلق بي وأصبح بخير , بعد أن أمارس ماسوشيتي قليلا ً وأتقوى بوجعي .


أهو ماركيز ؟.
نعم ماركيز من قال في روايته عن تلك العاهرة , أن الطب الصيني لا يعالج الماسوشيين بتركهم يتعذبون بأيديهم ,  بل يعلمهم كيف يتركون الطبيعة تهذبهم بصمت حتى يتماثلوا للشفاء , فيعلمهم المشي على الرمضاء , والأحجار الساخنة , والنوم تحت الشمس , أما أنا فأعرض نفسي للطبيعة و أترهبن من فوق ذلك صامتة , أسير على رمضاء الظهيرة حافية حتى تتفطر أقدامي بحروق بليغة , وأجلس تحت شلالات الشمس حتى يغلي مخيخي , وأجوع أجوع حتى تأكل معدتي نفسها , ويخرج الدم من أنفي.
إني لست بحكمة هؤلاء الصينيون لأترك الطبيعة وحدها من تتكفل بتهذيبي , إنني أشارك في فعل ذلك , منذ أن كففت عن مراقبة الحياة ذات يوم , وغامرت في المشاركة في صنعها لعلي أصنع قدري .


أدرك أن اللامبالاة أحيانا ً تستبد بي حتى أتخذ زاوية وأسندها من السقوط لكثرة ما أشاهد دون حركة , وأقنعها أن تتفرج معي صامتة ولا تحدث فعلا ً , لتترك الدنيا تلهو بنا معا ً كيفما تشاء .
ياصاح , لو استندت بهمي على جبل لأنقض قبل أن أركن عليه بكليتي , وأدرك أنني لست الوحيدة في هذا الكون _ لست بلهاء لأحسبني المهموم الوحيد _ والتي تشعر بهذا .

البارحة كنت أفكر ياصاح , أن المرأة كلما اقتربت من الكمال بانت فيها التشوهات الأنثوية , وأصبح باديا ً منها ضلعها الأعوج بطريقة فادحة , ولذلك تبكي متفردات النساء بطريقة مريعة , تشبه حيوان ذبيح , يحاول أن يتجرع من الحياة نفس أخير .
أدرك تماما ً أنني أتكلم عن أشياء لا علاقة بينها ولا رابط , وأنني أحاول دراسة داخلي في زمن مستطيل , ويكفي ليتسلل لي النوم وأرتاح .

المرارة تحرق حنجرتي , تحرقها حتى تترمد , ولايصبح لي صوت , وآه ما أوجعني .

لا أريد شيء من الحياة , كل المرارة أنني لا أريد شيء من الحياة بعده , فالحياة كفت عن إدهاشي من بعد دهشته , والحياة كفت عن فتح نافذة جديدة لي مع المعرفة منذ أن عرفته , أنا التي ما كان يغريني شيء في الكون كالبحث عن خبرة جديدة , إنه نهاية معرفتي , لأنه السر النهائي الذي عندما تكشف لي , أصبح الكون أشبه بطفل يخبيء كرة خلف ظهره بحيث يمكن لكل من يجلس مقابله أن يراها , نفدت أسرار الكون بتكشفه لي , هو السر المطلق الرباني الذي عندما عرفته جيدا ً وعرفني جيدا ً غفرت لنفسي كل أوجاع الماضي وكل مصائب القدر .
ما أضيق الحياة والكون أمام اجتماع روحين واسعتين جدا ً وقد انفتحتا على بعضهما , إي والله ما أضيقها , أقلة في حقيقة رؤيتي ومعرفتي .

صدقني يا أنا ( مُرْعِبٌ أَنْ أُحِبَّكَ فِي مَوْضِعٍ هَشٍّ كَالعَالَم ).
مرعب لأني لا أستطيع ممارسة الحياة بعدك .
سيغمى علي الآن , فما عدت أرى الشاشة ولا أزرار الكيبورد , ومازالت الشعلة تلهب أصابعي وترتعش حتى ما تثبت أصابعي نفسها .

 

ويقول برنارد شو البغيض في فلسفة له يا أناي :
أقسى من ارتكاب الخطأ أن تكتشف انك لست من الأهمية بحيث يلحظ الناس خطأك .

وأنا لا أريد أن يلحظني أحد , لا هنا ولا في عالمي الحقيقي , ومع ذلك فإن أحدهم بالأمس لشدة غضبه أخبرني ( بأنني لا أعيش في هذا العالم لوحدي , وأنه لا حق لي أن أقلق العالم بصمتي وهواتفي المغلقة , وخاصة وأنا بهذا العزلة والمرض ) .
أما المرض فلست مريضة , هو محض عذر ليتركني العالم منعزلة بصمت , وأما هواتفي فإنها تعجز أن تأتي بصوتك هذه الأيام وإن كان شحيحا ً , وهاتف بلا إياك هو هاتف لا يستحق أن نهبه الطاقة ولا أن نشحنه .

أين أنت ؟ .
أما تدري بأن الدنيا التي لا تكون فيها تغدو بكتيريا وفطريات وعفن , وبوابة سأم مشرعة وللأبد ؟!
أين أنت ؟ .
أما تدري بأن العالم يضيق كثقب إبرة ويعتصر أضلاعي إذا ما تأخرت ؟ .
أين أنت ؟ .
أما تدري بأن الحزن يخلع حذائه على طرف بابي إذا ما تأخرت , ويدخل محدودب الظهر حاملا ً أثقاله كرجل صيني ليقرر أن يترهبن ويقيم حفلة شاي في جوفي  .
يمسك قلبي كوب شاي يتجرعه بجرعات ضخمة وإن ببطيء كاف ليدمر معمورة من الصبر والعزيمة , أما تدري ؟ .
الفرق أن قلبي حار يحترق , وهو يفضله _ الشاي _ بارد كوجهه .

أين أنت ؟
كيف تقضي ساعات نهارك , وكيف تنام ليلك , وهل تسعك الأرض بما رحبت , وهل قلبك سال ؟
أنا لا أسلو , والأشنع في حالتي أنني أدرك أن جزء مما أحببت فيَ : جلدي وعنادي وقدرتي على الصبر , وأني لست كالنساء لأكون ملتصقة بك كالهواء .
ولكن ما عدت أستطيع , أريد أن أكون عقلة من أصبع ليدك , شعرة عصية عن السقوط في صدرك , أريد أن أكون دما ً نفسا ً ترابا ً , ذرة غبار حتى ؛ لأزور عالمك .

ما أشنع هذا البعد الساحق الذي يفصلنا كمسافة ضوئية , رغم أننا لا نعدو أن نكون شفتين متلاصقتان بالصمت , جفنين يؤرقهما سهر , ويخيطهما وسن .
للحق أننا لا نعدو إلا شيء واحد , وإن استكبر الكون أن يصدق .
أنا ما عدت أصبر , وأعرف أنك _ بالذات وفي هذه الفترة _ لا تطيق أن تحمل عدم صبري إلى جوار عدم صبرك .
لا أريد أن أعود للعالم الخارجي فيسلبون ملامح أنسك من ملامح وجهي , ألا يدرون أنني كل ما تحدثت معك نمت مباشرة لتبقى آثارك في ملامحي , لا يبددها متطفل أو مثرثر , وإن كانت ذرات هواء غرفتي  ؟ .

يا الله جزعي عظيم يا رب ! .
لم لم تخلقني رجل لجواره _ أنا التي ما تمنيت تغيير جنسي قبله _ فأرافقه الدهر كله صديق يستأنس بالقرب والحديث والمجالسة ؟ .
يا رب تعلم أنني لا أريد منه شيء مما تريده النساء من الرجال , فلما جعلتنا جنسين مختلفين مالهم من النصيب إلا أن تتناجى أرواحهم حتى ينبت في قلوبهم نوافذ وأبواب , لها مع الموت في كل ساعة ألف مناجاة وصلاة ؟ .
يا رب انظر لي , انظر لي الساعة , انظر لي هذه الثانية من الدنيا , أخبر قلبي بشيء ما لأسلو أو أنسى … هل قلت أنسى ؟.
يارب لا أريد أن أنسى , كيف أستطيع نسيان من صليت إليك أثنا وعشرين سنة لتحضره لبابي ؟.
من ناجيت لأجله السماء والنجوم والقمر و ذرات التراب , وتوسلت للريح أن تحمل إليه رسائلي ليأتي ؟

Advertisements