ردا ً على sos ! *

 

 

إلى انسان “ما” لا أعرفه , في مكان “ما” لا أعرفه , يطلب اشارة لا أعرفها , إني أستمع لصلوات قلبك فاستمع لصلاتي , فلربما تكون الإشارة الصحيحة ! .

 

**

النوم لا يرتق جرح الأجفان والقلق جارحها , مهما كان سلطانه عريض , إلا بعد أن يصبح السجال في زاوية أوسع من سلطان النوم وأعجز من قدرة القلق .

 ومايخيفني أن لا أنام الأيام لشهوة كتابة طارئة , ولكن الفوضى في حالة كتلك هي التي ترعبني , إنها حالة من ضعف المناعة كفيلة بأن لاتقاوم أي مرض , وما أخاف من مرض بقدر الحب وتوابعه ! .

 والحب استهلاك في ساعات قدومه الأولى , ورطة بحجم ( ضمير وعزة ) في مراحل أفوله الأخيرة , وقاتل كحد ساطور .. شحذه جزار , مُعمر المهارة والخبرة .

وأدركت مؤخرا ً أنه _ الحب _ أقرب لكونة إشاعة مبتذلة , وغير حسنة , وماله من الحقيقة , في حالتنا الآنية , إلا ظلال عليا لا ندركها نحن الطينيون ! .

 وأنا كنت لأقدم حياتي كلها قربانا ً لحقيقة من أي نوع جدير بالرعاية , غير أني اكتشفت _ ويح قزامة الصبر في قلبي _ أني لا أملك حياتي ولا نفسي , وإن أمام رقعة ورقة , تتلون بين يدي كما تشاء شهية الفكرة , لا كما يُضمر قلبي , ثم إن أي قربان رخيص كــ ( قشوري ) لا يكفي لإستحداث حقيقة فضلا ً عن تنفيذها , لأن الحقائق لا تأتي حسب الهوى و ساعات الفراغ .

ورغم ذلك فالحقيقة غائبة في طيات حقيبة القدر , و أنا امرأة كفيفة ومالي بصيرة الماء , وهو يحفر ضفتي النهر بهدوء , ويدرك طريق البحر .

           : (علمني الرضا والقناعة يا الله , و علمني أن لا أحتاج ) , والحاجة للبشر هي بذرة الضعف الأولى وأساس ضياع الأوقات , وأصل الإنحرافات عن الطريق , إنهم العقبة الكؤود بإتجاه البحث عن السماء .

و الحاجة أمر مختلف بصورة مطلقة عن الإنس والإجتماع , وهذا الإختلاف بحجم تبني ! , وأنا سئمت تبني العالمين وتمثيل دور أمومي , وسئمت بنفس القدر أن يتبناني الآخرون ويتمثلونني بنتا ً.

 خذ قلبي يارب وهبني حزم موسى , فموسى عليه السلام أكثر نبي كنت لإشبه صفاته الحادة بطريقة متطرفة , وأتهرب من تمثل حالة نوره ويقينه .

 وكلما أفكر في الذين كــــ نحن لديهم طاقتي الخير والشر , بصورتيها الأكثر تطرفا ً أدرك أن إدراك الإتزان عزيز , و إنه في حالتنا هو صبر جسيم وشكر عريض , والصابر والشاكر في الجنة !.

 وأقنع ضمير تحفزي أنني إن أتقنت الصبر على شري وألقمته الصمت , وإن لم أشكر أو أ ُفعـل خيري كنت من الناجين , غير أن ما في الدنيا يصدمني بالحقيقة الدامغة , بأننا قوم إن لم نقدم زكاة قمحنا , أورثنا الله الذل بحجم كوز القمح الذي بخلنا بالتصدق به , وزكاتنا ( كوز ) عظيم , لأن هبات الله فينا مال وفير .

 تسألني : لم يعذبني الله بي وأنا أقل شرا ً من ثلاثة أرباع المعمورة , الذين لا يمرضهم الله ؟!

فأصدقك : لأنك خير من ثلاثة أرباع المعمورة الذين يسقمهم الله _ على غير اعتقادك _ بقدرهم , كما أن لديك واجب اتجاههم , والله يحاسبنا بقدر واجباتنا لا بقدر مقياس عالمي يشمل كل الآخرين .

تعرف ذلك المثل ( كبوة الفارس بعشرة ) ؟.

إنه مقياس كهذا , ولذلك تتدرج المراتب وتتباين الدرجات , وليس في هذا أي ظلم أو تعدي , لأنك بقدر ما أعطيت من الهبات والمواهب تُطالب بالصدقة ! .

وصدقة العلم التعليم , وصدقة المال الزكاة , ولكل شيء صدقة .

وأنت كلك في حقيقتك صدقة للآخرين من بن آدم , كل ينفق من سعته .

 .

يهبنا الله الإشارات , ويحدد لنا حجمنا في هذا العالم منذ بدأ التكوين الذاتي لنا , وبعض الإشارات قد تكون صغيرة جدا ً لا تُلفت إلا أصحاب العقول السؤولة والقلوب العقولة .

وبقدر ذلك الحجم الكوني لك يحاسبك الله , ولذلك عليك أن تفتح منافذك لتدخل شمس حقيقتك وواجباتك إلى غرفة فؤادك , وتدرجها تحت بند الضمائر ! .

وكثر يدركون حجمهم الكوني , ولكنهم لا يتبنون ضمير حي , و على مقدار لا مبالاتهم وتهربهم تُرتب لهم العقوبات أو المحفزات .

 وإلا أي تفسير يمكن أن يخبر به أحدنا نفسه  , عندما تتحدد حتى مقاعد طلاب الصفوف الأولية والمتوسطة والثانوية , بل وبعض فصول الجامعة بمكان مقعده !؟ , فينادي الإستاذ باسماء الطلاب تبعا ً لجلوسهم أمام مقعده أو خلفه أو عن جنبيه , وكأنه مركز استقطاب الكون أينما ذهب ! .

هؤلاء كم مقدار صدقاتهم يارب , وهؤلاء كم مدى محاسبتك إياهم على اغفال اشاراتك _ كـ هاته _ كل مرة ؟ .

 ويقنعني البعض أن الدين بسيط كعجوز نيسابورية , ويغفلون أن العجائز , وبسطاء العامة لا يصنعون علماء ولا علم , ولكنهم يحاسبون بقدر ما يدركون , وإدراكنا أوسع من إدراكهم وأعمق جذورا ً .

 إعمال العقل في الدين ليس بمهلكة , رغم الحرب التي قامت في بعض عصور الإسلام على تفعيل العقل في النصوص واستلهام الدلالة , ولكن الخطأ المهلك هو تأليه العقل , و إغفال الغيب .

وكلما أفكر في مقدار الجزء الغائب عنا , أدرك أن مساحة اللامرئي , المعجز , والخارج عن التصور البشري أوسع من كل ما هو ظاهر , ولذلك يعلمنا الله على مسافة آيات عظيمات حكايات الغيب , وقصص السماء , وشكل الملائكة , وينبهنا لوسوسة الشياطين .

 ندرك من كل هذا أن تجسيد المباديء , وتعليب القيم , والمقياس العقلية الضيقة مجرد أردية محدودة , لإناس عرفوا الدين من منظور بسيط منهجي ما خالط شغاف قلوبهم .

 قابلت كثر يفضلون تبسيط الدين بحجم أركانه الخمسة , ونفسي , ويستلهمون قول الله : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .

ثم يتجاهلون كل المغالطات التاريخية التي نستلهمها من السير والعلماء , والمغالطات الكونية التي تثبت خطأ استلهام كهذا .

 ونتمحور على سلوك فردي ومسؤولية ذاتية , لا نخرج بها إلى كوننا مسؤولون عن العالم بنفس الدرجة , ولا يُسقط في حقنا الأمر بالمعروف والإصلاح , إلا بعد عجزنا عن ايصال الطرف المقابل للإعتقاد بما بلغنا .

 ويغفلون أن بساطة الدين لا تعني تآكل المسؤولية اتجاه التطور , الرقي بذاتنا وتغيير أنفسنا كما قال الله , والتغيير لا يحدث إلا بالعلم , والعلم يعني البحث , و البحث لا يدركه انسان لا مبالي ! .

 و يحسبون أن الأركان الخمسة هي نهاية العلم _ رغم أنهم لا يدركون معناها ذاته _ ونهاية الطلب في دين الله , وأن هذا هو اليسر الواضح ! .

وحكاية ذلك الرجل الذي سأله رسول الله عليه الصلاة والسلام : ( كيف تقول في الصلاة ؟ . قال أتشهد وأقول اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار , أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ . فقال النبي صلى الله عليه وسلم حولها ندندن ) ما نفعل بها ونحن نسمع مقولتهم عن تبسيط الدين ؟.

 العامة يدندنون حول المعتقدات السامية ولا يتقنون وصولها , ولكن من وُهب القدرة على الوصول طُولب به , ولذلك طلب العلم معاذ , وأعتكف ابن عباس في شمس الظهيرة _ تحثو الريح التراب على وجهه _ منتظرا ً خروج معلميه العلم من بيوتهم .

 .

السقوط لا يحتاج لإرادة , إنه يحدث بمجرد أن لا تبالي , كقطرة ماء تغفل التشبث بطرف أوراق لشجرة … وعلى حسب تمسكك بغاية يكون إعتلاءك .

ما كان الإعتلاء يوما ً بأن نعيش حياة بوهيمية , نأكل بخمسة أصابع , ونلبس خمسون ثوبا ً في السنة , ونكتب على مقدار الورق , وننشر على هوى الشهرة .

 الإعتلاء إلتزام منضبط , والإنضباط سيد الفضائل الروحية , وهو شيء لا ينفجر فجأة كقنابل الوعي ! .

إنه يحتاج لدربة طويلة , ومراس صبور , رغم أن الوعي والهداية ذاتها قد تحدث فجأة كحالة حب طارئة .

 يرتبط الوعي عندي بكفة الحوداث , كما الحب تماما ً , لأن المعركتين متشابهتين من حيث النتائج , فالحب الكوني حالة من وعي باهر , عندما تتجه لحقيقتها الصحيحة .

والوعي العظيم في ذاته حب , لأن العلاقة مع الله _ وهو الحقيقة المطلقة الوعي _ هي حب من طرف الله , ومن طرف عبيد الله لله .

 وعندما أفكر في الإنضباط في صورته الصحيحة , يقاعسني أنه يشمل كل مفصل من الحياة , حتى نوعية علاقاتك الإجتماعية .

وأنا أبحث عن انضباط ديني , والإنضباط دين عالمي في حقيقته , لا يخضع لتصنيف الديانة , رغم أن الإسلام هو العقيدة الأفضل في توجيه الإنضباط إلى الصورة الإنسانية الفضلى .

 ولذلك نجد أن الغرب ينضبطون , كل على حالته , و يكرس المجتمع كل فرد منه على مستوى محترف , في شيء ” ما ” وإن كان منظف مراحيض , لإن الإحتراف انضباط .

بل إن كل فرد منا هو شخص منضبط اتجاه عاداته السيئة , فالمستهتر منضبط اتجاه استهتاره , والفوضوي منضبط في فوضويته .

 لا أحد يريد أن يخضع الكون لإنضباط ما , لأننا قوم منعمون تجرح كواحلنا القيود المحكمة , وتقتلنا ظلمة الصناديق .

غير أن الكون بكافة صورة هو انضباط رغم أنوفنا المستأنفة , ولذلك فإن أي حدث للكون يخضع للتصنيف , حتى الكتابة , لأننا نملك عقول مُصنفة تحاول وضع آليات وأسس ونظم لكل حالة , لتستطيع دراستها .

 ومن هذا الوعي تبدأ معاناة المختلفين في انضباطهم , لأن الإنضباط سلوك كوني ممنهج , يعيش الإنسان حياته كلها لتحقيقه أو فهمه , والعامة يقفون عند قدر ما تصل إليه عقولهم من فهم , لسلاسل الكون وإرتباطاته وحقائقه النهائية , ممثلين في بحثنا هذا عن الوعي حقيقة ( وهديناه النجدين ) والنجدين لا ثالث لهم ! , وعي بالشر واجتنابه , ووعي بالخير ففعله.

والخير والشر أنواع وتصانيف , و لذلك أيضا ً كان لسيدنا معاذ لسان عن الشر سؤول ! .

 أما الوحدة فهي صندوق إنضباط جيد في بداية رحلتنا في اتجاه الوعي , لأن الناس ألفت التعلق بأقدام السائرين على غير منهاج العامة , تثقله بمحاولة رده لدائره التشابه .

تظن بأن أفكار كهذه لا تؤلمني ؟

بلى ورب البسيطة , لأن من مقومات أفكار كهذا أن نتخلى عن شهوات لا تحصى , ثم لا يكون لنا في تخلينا حظا ً من نفس أو شركا ً في نية , و على هذا المقدار يتمايز المحسن من المؤمن , من مجرد مسلم ما بلغ بياض الإحسان ربع مفرق اعتقاده ! .

 و وحدتي وحدها رحلة صمت طويلة , فكيف بمتطلبات الوعي الأخرى ؟! .

والصمت أمر يتجاوز إمساك اللسان , إلى صمت الروح عن تردد الخواطر بين روحين أليفتين ! .

تفهمني ؟ تفهم هذه الفكرة الفادحة ؟ .

إنني إن أريد النمو أكتم كثيرا ً , و أول الكتمان يكون عن أقرب الناس لنا روحا ً , لنستطيع النمو بعيدا ً عن سلطة أرواحهم علينا , ولذلك فلا بد من خرس الروح عن الحديث لهم ؛ لتعجز عن إلتقاطنا مجسات تواصلهم بنا وإن تخاطرا ً! .

 أتدرك حجم التضحيات الآن ؟! .

إننا نضحي بالإنسان الشاعري فينا لمصلحة الإنسان المتعقل منا , فنتخفف من كل أشباهنا على قدر تثاقلهم عن المشي بإتجاه غاياتنا .

لا وسيلة ! .

لابد من ( الغار ) موطنا ً نخبز فيه طحين شتاتنا , لنفهم معنى الدين الذي جاء من موطن الغار , وما كان كهف الروح إلا موطن خوض عصيب ! .

 خضت صحراء التيه القحط : سبع سنين , و علمت أن قدرتي على اللامبالة , والصبر على تيهي وتشردي , لا تغلب قدرتي على الإيمان والبحث عن الحقيقة وإن ثقلت , فاستأنفت الركض بإتجاه الكوة المضاءة من آخر النفق , دون أن أبالي إن وصلت أم لم أفعل , لأن التوبة لا تحتاج سوى لنية , و خطوة أقرب إلى دار الطيبين , وخطوة واحدة لا أكثر أبعد عن دار الخبث والتيه , ليغفر الله لي نصاب المائة قتيل وسيئة ! .

 و مؤخرا ً جدا ً أدركت أنه قد بلغ نصابي المائة , ومن يبلغ نصابه المائة يحتاج لتوبة عاجلة , عاجلة , لعل الله يدركه بالتوبة قبل الممات .

وماهذا الإدراك لي جاء عن تفرد حزته على أندادي , بل إن الله ألهمني فضيلة التأمل فيهم , عبر المنتديات والمدونات والكتب , فرأيت مشاعرهم وهي تضطرب , وراقبت سلوكياتهم هي تنمو , وشهدتهم وهم يخوضون مفترقات حياتهم , فأدركت أن عقلاءنا يمشون لطريق الله كلما علموا , وفهمت أننا في الجهل , وأن خيارنا في الجاهلية خيارنا في الإسلام إن صلحوا ! .

ونحن ورب الكعبة في تيه عظيم .

 

يقول أخي بالأمس في حديث له عن والدي : ( أتحسبون أن أبي لا يشتهي شهوات الدنيا ؟ , بلى , ولكنه ضحى بالدنيا من أجل عز الآخرة , وأستبدل اللذائذ بلذائذ لا تفنى ولا تنفد ) … نحسبه كذلك شمله الله بفضله .

وذلك الرجل الذي كان يتصدق بكل ما في بيته فقال له بعض الناس : هوُن ! , فقال : أريتم لو أن أحدكم كان لينتقل من منزل إلى منزل أكان يترك في منزله الأول شيء ؟

قالوا : لا . قال : ( فإنا منتقلون , وبيوتنا الآخرة ) .

وماسابق عمر أبا بكر إلا سبقه الثاني , لأن الصديق كان صديقا ً وكان يعبد الله كأنه يراه , وماكان يرفع ثوبه عن جسده وهو في الخلاء حياء ً من رب المحسنين ! , فأدرك بذلك رفقة الأنبياء .

 

sos *  : الإشارة التي تبثها السفن الغارقة عبر اللاسلكي لأي جهة في الفضاء العالم , و قد تساهم في انقاذها من طوفان البحر . 

Advertisements