مناجاة

_ ما أضيق اللغة يا الله _

.
.

ويصرخ شاعرهم :
ويا عصفات اليأس بابي محطم
فهبي كأنفاس الجحيم وصدعي !

بل نفزع إليك فأنجدنا يا الله , وكل المصائب أقل من الموت , والموت أهون مما بعده إلا أن يكون خير .
غير أناَ بلهاء يا ربي , نستعجل مصيبة الموت وكل مصائبنا أقل شأنا ً منه .

و يسألونني هل جربت الكتابة إلى الله , فأرفض , أستحي يا الله أن يكون بيني وبينك وسيط من ورق , وأنت الذي لا ترضى أن يكون لك شريك في الأعمال والنوايا , وما يكتب كاتب إلا و يكون في نيته إجادة الصنعة , وإحكام المعاني , و استطعام حلاوة الكتابة فنا ً.
غير أني الليلة أفزع كاتبة إليك , لا أرتب خواطري ولا أبهرجها , أحملني إلى قوائم عرشك وأسجد بين يديك , وأدرك أن الأبواب الموصدة كلها لا تقف أمام منح يأتي بها بابك مشرعا ً .
بي نزق موجوع , و كل ما أفكر فيما يجب علي من نضج وما أنا فيه من النضج أخجل من نفسي .. تأبى روحي أن تكبر باتجاه حقيقة الوجود يا عظيم الفضل , وأنت حقيقة الوجود كله سبحانك .
ويشتد بمعاوية رضي الله عنه الوجع فيدخل عليه (خارجي) فيرغم جسده على الانتصاب جالسا ً , مجافيا ً لفراش الموت , وينشد :
وتجلدي للشامتين أريهم
أني لريب الدهر لا أتضعضع .
فيجيبه الخارجي :
وإذا المنية أنشبت أظفارها
ألفيت كل تميمة لا تنفع ! .

ونحن فينا كبرياء الجهل ذاته _ وأنت تعلم _ غافلين أن التجلد لا ينجي من موت أيا ً كان ذلك الموت ,  والموت في هذه الدنيا كل الموت هو : الجهل بك .
ماعاد بي قدرة على التجلد أمام جهلي بك , فعلمني .
ما أنا موجوعة يا الله إلا بجهلي , وكل ماعرفت هذه الدنيا توجعت , وأدرك في أسر خواطري أن وجع المعرفة بحقائق الوجود لا يهونها إلا حقيقة المعرفة بك كرب للوجود .
ولو كنا نعبدك حق عبادتك , ونعرفك كأننا نراك , لما تقلبت وجوهنا في السبل لا ندري أياها نولي شطره , ولثبت رأسنا باتجاه النور : نورك .

إني لأسخر من نفسي وأنا أحسب وجعي يعدل أوجاع الكون مجتمعة , و أن حزني ماجربه حزين قبلي ولا من سيليني , رغم أني أدرك في الوقت ذاته أن لا مقاسات معروفة للحزن لنتحاكم إليها , و أن لا مقياس تحسس رختري يتم به حساب الكآبة , وأنك وحدك أعلم بالبواطن , وكلنا تفاهة ضخمة أمام عدلك وحكمتك ودروسك الربانية .
من صاحب الوجع والهم الأكبر يا الله ؟
أرحمهم بالخلق وأحرصهم على تعريف الخلق بك , و القدوة محمد صلى الله عليه وسلم .
وما نقترب من مرتبة سيدنا محمد إلا برحمتنا وحسن خلقنا , وحملنا لهم الأمة والناس كما حمل , ولكننا قوم نجهل يا الله .
نحن قوم لسنا بمخلوقين لأنفسنا , وإنما نحن وسائل لبعضنا البعض , والسيد منا من يكون وسيلة للآخرين وهو عارف , لا وهو مضطر جاهل ! .
وذلك الحكيم العارف سألوه ما أشبه أعمال العبيد بأفعال الخالق سبحانه , فقال : الإحسان لخلقه ! .
فأجعلنا ممن نحسن لخلقك يا الله .

أي شيء يمكن أن يعدل طعم الخطوات المقطوعة إليك ؟

ونثقل عنها , ونجرب كل الطرق إلا طريقك , فنتوجع ببعدنا عنك , ثم نحسب أنا فرادة من البشر في أوجاعنا , وما أوجاعنا إلا من جهلنا .
يا الله علمني الرضى , و التواضع , يا الله علمني .

إلهنا ما أعدلك

مليك كل من ملك

لبيك قد لبيت لك

لبيك إن الحمد لك

و الملك لا شريك لك

و الليل لما أن حَلك

و السابحات في الفلك

على مجاري المنسَلك

ما خاب عبد أملك

أنت له حيث سلك

لولاك يا ربي هلك

يا مخطئا ما أغفلك

عجل و بادر أجلك

و اختم بخير عملك

و لا تُسوّفْ أملك

لبيك إن العز لك

لبيك إن الحمد لك
( ابو نواس )

Advertisements