ملهاة بشرية

 

 

استهلال :
 

تنظر للأشياء نظرة المزهو بالمعرفة , وتعتقد واثقا ً بأنك وصلت لغاية الدهشة التي تسربها التجارب للبشر , وأن أي شيء قادم ماهو بقادر أن يسقيك ماء الحياة ودهشتها .
تظن أنك كبرت , نضجت , واكتملت معارفك ؛ فتأتي لك الصفعة من حيث أنت غافل , فتلقنك دروس مختلفة من المعايش التي غفلت عنها حكمتك , ثم تعرف أنك من الناقصين .

” عيد ” هو اسمي , شخص من هذه الإنسانية , أشكل فرادة من جنسي , كما يشكل أي شخص آخر فرادة انسانية , ونسخة لا تقلد … بالرغم من أن كل شخص يظن أنه النسخة الصحيحة السليمة في مصنع القدر , وبقية النسخ الأخرى مضروبة في جانب منها على الأقل ! .
جئت في يوم عيد فتيمن قومي كعادتهم , و خلدوا عيدهم بمنحوتة بشرية هي أنا ! .
تزامنت صرختي مع فرحة الدنيا , فاستمرت الحياة _طوال حياتي _ تضحك وأنا أبكي , والناس يفرحون وأنا أحزن .

وأنا الآخر كانت لي عاداتي الغريبة كقومي , وماكنت بعيدا ً في هوسي بالتفاصيل عن بودلير المفكر الفرنسي صاحب العادات الشاذة , وهو يحصي النوافذة المضاءة كل ليلة , ويقارنها بعدد النوافذ المظلمة في مدينته , وعلى أساسها يتفاءل أو يتشاءم , فأطلقوا علي اسم المعتوه .
فقد انشغلت دائما ً بتأمل أشياء لا تستلفت انتباه عاقل , وقال الأطباء بأني مريض توحد , وأني قد أكون عبقريا ً متوحدا ً ككثير من العباقرة , ورغم أقوالهم الطيبة عني فإن البشر ما توقفوا عن معاملتي بصورة المنبوذ , فأنتبذتهم , وتسلقت مجدي الذي أعتقد , غافلا ً عنهم وعن مايريدونه لي .
عجبا ً لقومي أدهشهم أنا كفرد , ولا تدهشهم أنفسهم كجماعة لها عاداتها المجتمعية الشاذة ! .

وهكذا لم تكن الحياة مغرية لي , ولا كانت معائش الناس تستلب اهتمامي , وكنت أقضم ساعات أيامي ؛ لأعجل من إمضائها دون أن أصبح معتوها ً في مرآة نفسي أيضا ً.

طوافا ً قضيت سنواتي الأخيرة أبحث عن حكاية , وقطعت الفيافي , والبحار منتقلا ً من حضارة لأخرى , أستمع لأساطير الشعوب وحكاياتهم , ثم إني توقفت في اليمن , وهناك راق لي بيت حجري يتخذ قمة جبل مقعدا ً له , كان منفردا ً يحارب الريح وحده , وفي ثقوب جدرانه تختبيء ملامح أقوام كثر , غافلهم الزمن ففتك بهم .

واليمن دولة يستعذب شعبها الخرافة , ويعيشون على تناول الأساطير لقيمات مع طعام موائدهم .
ويعرف طفلهم عن السحر ما يعرفه عجوزهم , ولديهم كل الوقت ليستلذوا بثواني الحياة , دون تسرع أو عجل .
كان شعب يليق بي , وبتمهلي , وبلا مبالاتي , وكان الوقت بالنسبة لهم كـ تناولهم لعشبة القات , لا بالأهمية , بل بالتروي , و هم يتفننون تسريبه في مشاغل لا يراها بقية الخلق مهمة .

إنهم شعب عظيم , شعب عظيم يليق بالأحلام ويشبه الجنة .
والجنة زمن ممتد لا ينتهي .

بحثت عن صاحب تلك الدار لأشتري منه داره , وسألت كل ساكن اقتربت داره من تلك الدار التي أعُجبت , وبمجرد سؤالي لأحدهم كانت غيمة سواد تحل بوجه , صمت ثقيل , وكان يفقد مرحه المعتاد عنهم .

طفل صغير تبرع لي بحكاية القصة , وأخبرني أن تلك الدار مسكن للجان , وأن لا انسان يعرفونه قد امتلكها .
آخر ساكن لها رجل أخرس درويش , غريب لا يعرفه أحد , عاش فيها دهرا ً من الزمن , ثم اختفى هو الآخر فجأة .
البعض يقسم بأنه عفريت هو الآخر , والبعض يؤكد بأنه مجرد انسان قد اهلكته الجن أو اختطفته .

أما تلك الدار فمنذ مئتي سنة ماكفت عن إزعاج أهل الوادي الذي يقع تحتها , بصراخ يشبه امرأة تلطم وتنوح , لدرجة أن البومات والخفافيش ترتعب مبتعدة عن الجبل كلما بدأ الصراخ بالإنطلاق .

احتد الطفل وتكلم غاضبا ً : أجدادي وأبائي وربما جيلي , لن نكف عن ذبح خرفان مزارعنا , فداء لأنفسنا وأراضي حقولنا , وبقية ماشيتنا من شر سكانها .
أستبد بي الفضول فأرتقيت الجبل , وحططت رحالي بها وقررت سكناها .
صليت بها العصر , وقربت دواتي , وأقلامي المصنوعة من قصب فاخر , ثم استنارت روحي تكتب.

 

المذكرات 

 الخميس :

البشر حالتان عبيد وسادة , وأنا سيد , لأني غني عن الناس , غني عن الحياة .
والسيادة كلها في الترك , فكل متروك رخيص , وإذا ماتركت الحياة ركضت خلفك , وتمسحت بقدمك ككلبة تحترف بيع وفاءها ! .
أيتها الكلبة أنا أركلك لأني غني بتشردي عن إيواء تشردك , وغني النفس عن الكون وبشره بواحد , وهذا الواحد الذي أعني هو الله .
والبشر عبيد وسادة , وأنا سيد لأني اخترت حريتي , وهم عبيد لأنهم لا يعرفون حقيقة الحرية . 

الجمعة :  

لم هذا اليوم ثقيل كالإثنين ؟
ولم الإثنين ثقيل كالجمعة , غارقان بالقيظ , مؤلمان , ويشبهان البؤس , وهما قادرين على مضغ نشوة أيام الأسبوع بفكي ضجرهما ؟!.
ها أنا ضجر أسير في ربوع اليمن يتجنبني الناس كأجرب , مطأطيء الرأس لا تدفعني الوحدة للحديث لهم , ولا تمنحني حتى الرغبة بمراقبتهم , والشمس الشرقية تشتد في السماء عمودية , وتستمرئ إلهاثي ككلب مشرد .
أقف بعتبة بابي , وأشعر أن لا قدرة لي على اقتراف عشرة خطوات أخرى ؛ أصل بها إلى الماء في منتصف حوش منزلي .
أسقط على ركبتي وألهث بفداحة , ويعزف في قلبي ألف طبل أفريقي .
إنني على حافة الموت لا بد ! . 

السبت : 

مازلت أعيش , لكن الحمى تنهشني , وأهذي , و لولا أن روحي تحلق خارج جسدي, فلا أسمح لمرض جسدي بأن يلمس شجاعة روحي لهلكت .
إن الإنسان لمخلوق ضعيف يالله , وإن المرض لقادر أن يجعل من أعتى الرجال طفلا ً يبحث عن آمان أم .
من أمي في هذا الدنيا , ما اسمها , وهل هي جميلة كنساء اليمن اللاتي أرى ؟.
إني غني , إني غني , إني غني , يجب أن لا تنسى هذا أيها الإنسان الذي بداخلي .الأحد :مرضى البشر يجب أن لا يمسكوا القلم كتابة ً , فكيف إن كانوا من فوق أمراضهم متوحدون ؟
عالج نفسك بالصمت , ولا تفكر , و تذكر أن الكتابة فوهة مفتوحة على جهنم , وجهنم هي روحك , والروح المشردة لا يمكن حبسها بمقدار قلم , أقلة والجسد مريض , إنها تهلك الصفحات وجسدك.إذن صمت !.الإثنين :يشبه الجمعة , وفي الجمعة مرضت , ولعل الشفاء يجيئني في مساء الإثنين .
إذن صمت .
.
.
_
وبعد دقائق _

هاهو صمتي متعثر بالهذيان والكوابيس , ولذلك هو صمت ناقص .
أتقلب على فراش قرحني ؛ لأن روحي تتقلب شرسة متكلمة , وما في روحي من العذاب سوى همة لا تصل , يال الهمة كم تعذب الأرواح الكبيرة .

الثلاثاء :

لقد خرجت اليوم ومشيت متعثرا ً , لكن بقدم تسير للشفاء , كان الوقت عصرا ً, والطبيعة تلبس اعتدالها , و انتعشت .
إن الغروب لصورة بالغة من حزن الشمس , ومالشفق إلا دماء عيونها , سكبتها بشفقة معتادة , وهي تترك بعض ابنائها للظلام , لتبدد الظلام عن ابنائها الآخرين .
وكلما نظرت للكون رأيت فيه صورة الإنثى بينة , والأمومة هي الرحمة السابغة التي تحيط بالكون , فتمنحه شجاعة الاستمرار .
إني إن أتزوج فلن أفعل هذا لحاجات جسدي , بل لأهب امرأة “ما” الأمومة , ثم أجلس مراقبا ً أمومة الكون في أمومتها .
يارب السماوات السبع أجعل حمامة تحط على نافذتي , وأجعلها تمارس أمومتها فوق رأس تأملي ؛ فإني ما أطلب من الحياة سوى متعة تأمل شيء كهذا .

الأربعاء :

أصلي ..

الخميس :

 أتمشى في أسواق الناس , أبحث عن رجل يستخدمني , ويمنحني أجرا ً على عملي كفاء يومي من المأكل .
أما الماء فالجبل يجود به علي إلى حوش منزلي , وأما المسكن فقد أصبحت دار الجن مسكني , ومالرزق إلا من عند الله وأنا من المتوكلين .
لقد قدم لي أحدهم (مسحاة) وأخبرني بأن علي أن أقلب الأرض , أي أشتغل مزارعا ً , وقد وافقته , فلا أجمل من أن أرى الأشجار وهي تنمو برعاية الله مسكوبة عبر يدي .
يكلمني طفل مستخدمي , ويشتد في إصراره , وهو يحاول أن ينطقني كلمة واحدة , أرد بها على فضوله فأخبره من أنا .
يسألني عن جنيات الدار الذي أسكنه , ويسألني إن كنت انسانا ً أم عفريتا ً , وما أرد عليه سوى بابتسامة , وكف تطبطب على كتفه , وأنصرف أعمل .
يصرخ به والده : دعه فإنه معتوه وأخرس .
فيحصبني الطفل غاضبا ً ويهرب , متخذا ً من جسد والده ترسا ً.
إن الإنسان لعدو مايجهل , فهذا الصغير حصبني بالحصى , أما والده فقذفني بالكلام , لكنهم ضعفاء بجهلهم , وأنا قوي بمعرفتي .

 

.

لا أدري ماليوم , لقد كف عقلي عن كونه ( روزنامة ) أيام , يسجل التفاصيل لكل لحظة , ومالديه من الهموم إلا إدارة الأصابع عمالا ًيخلدون أفكاره على ورق .
إنني الآن رجل عامل , أخرج من منزلي قبل شروق الشمس , ولا أعود إلا في المساء , حيث يكون جهدي أضعف من أن يمسك قلما ً ويسجل .
والأصوات استحالت في المنزل عنيفة ومضجرة على غير العادة , وتجعلني لا أنام , أنا الذي كنت أستعذب هذه الأصوات وأجدها أنيس وحدتي , وكأن أذني قد ألفت ضجيج البشر واستنكرت أصوات منزلي .
إنهم يضحكونني هؤلاء السذج من الناس , وهم يظنون أن خلف أصوات منزلي عفاريت ! , ولكنه ظنهم وجهلهم , والجهل مأساة البشرية ونقطة ضعفها المهلكة .
.
اليوم عاد ذلك الطفل المشاغب , طفل مستخدمي وعاند والده ليقترب مني , وفجأة دس يده الصغيرة في يدي , تاركا ً قطعا ً من اللوز تمرح بين كفينا , ثم نظر إلي ليرى ردة فعلي , وفي عينيه لهيب من الشوق .
لا أدري حقا ً ما لذي قد يشوق طفل صغير إلى معرفتي ولمس قلبي , غير أني ابتسمت , و انحيت عليه وقلت له : شكرا ً , ثم إني شددت على يده وقلت له : هذا سر .
فالتمعت عيناه بوعد كبير ولم يتكلم .
هذا الطفل تغير كثيرا ً عن أول أيام لقائي به , فقد غدا صموتا ً و يراقبني , وفي روحه مناجاة لا تكف عن الإبتهال في معابد قلبي ! .
لقد خرجت عن حريتي اليوم , وتكلمت , فأفسدت الوعد الذي قطعته على نفسي بأن أتخذ الصمت صلاة شكر لي أبد الدهر .
مالذي جعلني أفشي بسري لهذا الطفل , وأريه بأني لا أفتقد حنجرتي ؟
ليست الرحمة هي دافعي , أبدا ً , فلقد شعرت لوهلة خاطفة بغروري الإنساني , وقد رغبت بأن أخبره أني غني بحنجرة كهو ! .
مالذي كنت أسعى إليه ؟
هل أردت أن أخبره بأنني قادر على الكلام وأن هناك أمل بأن أحدثه مرة أخرى ؟
ولكن هذا هراء , أنا لا أستطيع الإيفاء بوعد كهذا فالكلام يأكلني , ويتركني جسدا ً خاويا ً أشبه كل الأشياء الخاوية في الحياة .
أما كان يغنيني من القرب أن روحينا تتناجى صامتة ؟.
إنه طفل , ولديه أحلامه الجميلة , وبه ذلك الولع تجاه التعلق بالأشياء , فلم لم أردعه بصمتي وأنا أدرك أني أقل من حلم يراه في مخيلته ؟ .
لم كان الصمت في تلك اللحظة أضعف من أن يصبح مطية شكر , وهو ذكي وكان ليفهمني ؟ .
إني خاسر إني خاسر , وعقاب الخاسر أن يتناول ماخسره بأشد الطرق تشبعا ً , وهكذا فإن هدية خسارتي كسر قلمي .
سأصمت حتى عن البوح لورقة .

.

 

الشهر الأول :

أصلي صامتا ً .

الشهر الثاني :

صمت .الشهر الثالث :صمت .

الشهر الرابع :صمت .

الشهر الخامس :صمت .

الشهر السادس :صمت .

الثلاثاء :

لقد انقضت السنة وأنا صامت , لا يتهجأ روحي قلم , ولا تخفف عني ورقة , وياله من جفاف روحي عظيم هذا الذي منيت به .
إنك إن تصمت لهذا الحد , تفقد حتى التواصل مع روحك , فتتفطر , أدرك أني طوال السنة كنت زائغ العين ولا أستطيع أن أثبت روحي على شيء أفكر به , ولا أن ألتقي بعين أحد دون أن تتحاشاه عيني , لقد توحشت , والوحشة الصامتة كليا ً تفقدك القدرة على قراءة ملامح البشر , والقدرة على النظر لنوافذ أرواحهم , لأنك لا ترغب بأن يكتشفوا قفار روحك , بمحاريث تأملهم وهي تقلب أرض عينيك .
إن عيونك المثبتة بمسمار الصمت على لوح روحك من الداخل , قد تماثلت مع عيني ذئب , ويالك من ذئب شرس ! .
لقد أرتعدت بنت مستخدمي وهي تقدم لي طعام العشاء الليلة , بعد أن منعني المطر من العودة مبكرا ً لداري , وقالت لي بشراسة خائفة : لا تنظر إلي أيها المتوحش .
الحق أقول لكم أني ماكنت أنظر لها كما ينظر الرجال للنساء , فقد كانت شهواتي خابئة , وروحي فاترة وقد أطفأتها لسنة كاملة .
ولكن كنت أنظر لماء الحياة وهو يتدفق فيها , على عكس ماء الحياة الغائر من وجهي , وأدركت أن صمتي الذي أعذب به نفسي إنما هو صمت مريض , لا صمت حكيم .
لقد قسوت على نفسي كثيرا ً , وأنا أصمت بهذه الحدة القاضية وأكف عن الكتابة حتى لكلمة ( صمت ) أتبعها الستة الأشهر الباقية من السنة ! .
لقد أدركت أن كلمة ( صمت ) التي أكتبها خلف كل شهر هي حديث ثرثار , وكانت كافية رغم توحدها بأن تسقي نبت روحي بماء السلوان , لأن الورقة ساعتها ستدرك أي وجع قاحل يعصف بي .إني أبحث عن وسيلة صمت حكيمة , ولا بد أن أتامل , حتى أجد غايتي .

الأربعاء :

طفل مستخدمي أصبح صديقي , إنه يحضر لي حيوانات الوادي والطيور التي قنصها , ويشويها معي كل يوم , ولقد كان هو القشة التي تمسكت بها بقية انسانيتي طول تلك السنة الغابرة .
إنه فخور بنفسه , وأرى فيه طفولتي التي أحاول أن لا أذكرها , وأشاهد فيه أحلامي , إن الأطفال لبهجة حلوة , وهدية كونية باذخة .الخميس :أفكر بترك عملي , إني أتعلق بأشياء كثيرة , وأصبح عبدا ً كبقية البشرية , إن طفل مستخدمي نوار لا أكف عن شمه وتقريبه من صدري كلما قبضني الهم , واليوم لمحت ساعد أخته , وتيقظ في شعور لزج أصفر وتلوثت بجسدي ! .

السبت :

لم أذهب للحقل , ولا خرجت من منزلي .

الأحد :

مازلت معتزلا ً , أراقب القمر في الليل , أنصت لأصوات منزلي , وفي الصباح أستحم بلعاب الشمس ! .
وهاهو مستخدمي قد أرسل في طلبي عند الظهر , ولكن الرسول وقف على مسافة تبعد مئتي متر عن منزلي وصرخ خائفا ً .
وهكذا تظاهرت بأني لم أسمع ولم أرى , وماكان ليحاسبني معلمي على جبن رسوله , وقد قصر في إيصال الرسالة حتى باب منزلي .

الإثنين :

إني عاشق ! .

 

.

.الثلاثاء :

تنازعني نفسي الخروج إلى الحقل , ولا أدري أشوقا ً للأرض التي زرعت , والأشجار التي سقيت , أم أشتاق إلى ولد مستخدمي وابنته .
إني مريض بي , وإذا ما أقنعت نفسي بأن الزواج حلال طيب , تتكبر نفسي أن تقيد ذاتها , وإذا ما ذكرتها بحلمي بأن أ ُحبل امرأة وأجعل منها أما ً , سخرت مني وقالت : ( الصيف ضيعت اللبن ! .
أما وقد عشقت فلا , ولو كان الأمر بطهر الرغبة الأولى لوافقتك , ولكنك باغي جسد فأرتدع ) .
وأتحايل عليها بأن الحب الذي يلهبني هو حب روحي بحت , فتضحك : ( لو كنت تحبها حبا ً روحيا ً كما تدعي ؛ لما أشتعلت روحك بهذه الغواية وقد رأيت ساعدها , إن ساعدها ليس بباب روحها أيها الغوي ) .
إني قد خسرت ! .

الأربعاء :

جاءت فتاة معلمي تركض , وقد أغرقها المطر فهي ترتجف , وطرقت علي الباب ؛ فأيقظتني من نومتي التي تسولتها عبر ثلاثة أيام أرقت فيها .
وما أن فتحت الباب لها حتى أستعبرت تبكي , وقالت بأن أخها قد لُسع بثعبان أسود , ووالدها مسافر يبيع محصول أرضه , وما من رجل سواي قد يستعينون به .
تركتها خلفي وركضت , حتى إذا وصلت لعتبة بابهم سمعت نائحة من جاراتهم قد أطلقت نعيها , فأسقط في يدي وجثوت , وجاءت الأم ذاهلة ووضعت الطفل بين يدي , ثم لطمت ! .
إنه بارد , وعيناه الصغيرتان مطبقتان , وأصابعه متشنجة , ولكن عرق الحياة مازال ينبض به .
فأخرجت سكيني وشققت مكان اللسعة ومصصت السم , فلما فقدت الشعور بلساني وقد تخدر , صرخت بهم أن أحضروا شرائح البصل , وربطتها ضمادا ً على قدم الصغير .
وسهرت الليلة التالية هناك , لا عمل لنا إلا انتظار يقظة الطفل , ونتوسل السماء نجاته , فلما حل بنا المساء التالي , جاءت الفتاة تجر ثوبها إلى شجرة اللوز التي كنت نائم تحتها , وقالت لي : إني أخي يناديك .
فقمت لا ألوي على شيء .

الخميس :

لقد قضيت المساء كله أكلم الطفل وأهدهده وأغني له أغنيات لا تُغنى إلا للملوك , وقصصت عليه قصصا ً لا يعرفها أهل الريف ولا كانت تخطر على عقول خواصهم .
وأستمرت الفتاة تراقبني متحجبة , وقد هالها أني انسان طبيعي أعرف من الأشياء ما يعرفون وأكثر , وأشعر تجاه الأشياء بما يشعرون .
وإن طرب روحها ليبلغ روحي فيحزنني , إني خاسر ولكني سعيد , ولا أرى مصيبة أعظم من مصيبة سعادتي , لأنها سعادة لم تتأتى لي يوما ً وقد تكلمت .
والسعادة بالكلام أخطر من الكلام ذاته , ولكني متورط أتكلم .
وأتناول معهما فولا ً طهته أمهما وألقم الصغير من فمي , وأشعر بي عصفورة تطعم فراخها .

 

الجمعة :

ماعدت أطيق برد بيتي , ولا وحشة وحدتي , إني أشتاق لأنس اجتماعهم .
يارب .

السبت :

ها أنا أعود للحقل , وأشتغل بهمة ولا ألتفت لمنزل العائلة التي قطفت ثمار قلبي , وأقسم أن أجرح نفسي جرحا ً بليغا ً بسكيني كلما قبضت على روحي متلبسة بفكرة الإلتفات لنافذة غرفة الولدين .الجمعة :لم أتحرك من فراشي , إني محموم , وفي جسدي عشرون جرح بليغ , إنها المرات التي فكرت فيها بأن ألتفت .

 

.

السبت :

هاقد مر أسبوع منذ أن انقطعت عن الحقل , وقد شفيت جرحي فأصبحت أستطيع المشي .
ووجدت أني عبد بمرضي , عبد بضعفي , عبد بحاجتي للناس , عبد بحبي , وإن الله ما أذلني إلا لأني أردت أن أجعل من نفسي إلها ً بعزيمة صادرة من نفسي , غير مستعن بأحد , فغفلت عن حقيقة الله ومعونته والتي يمررها عبر بعض خلقه _ بحكمة منه سبحانه _ , ولا فكرت في اشارات وجوده .
ها أنا ألتحف حكمتي وأصلي .

الأحد :

إن الحب مجرد طاقة تجاذب , تحدث بين روحين ليسكب أحدهما في كوب الآخر مزيج روحه , وبما أن هذا الحب أقل من روحي , وأكبر من قلبي , فقد وجب أن استغني عنه .
إن الفتاة التي أحببت لأسذج من أن تعرفني , وإني لواسع بحيث ماهي بمستطيعة أن تحيط بي , وفي الأوراق ملاذ بوح , فلأكتب .

 

الإثنين :

ماحاجتنا للناس ؟
رفقة نخبرها بأسرارنا ؟.
إني مستغن عن علائق الدنيا بكليتها , إن كانت العلائق البشرية ناقصة كما أرى , وما تطمح روحي إلا لنصف يقاسمها حقيقتها غاية المناصفة , وإني أناجي الورق فلا يجيبني , وأكتب فلا أسمع صدى لأفكاري , ولكن السماء عالية فوقي , وفوقها الله ؛ فلأصرخ .
يالله , يالله .
إني رجل كريم , محتد المنشأ ,ودمائي ملكية , وإذا ما اجتمعت هذه الصفات في رجل والحب معها : أهلكنه , فلا هو يرضى بأن تتسلط الحبيبة عليه , ولا هو يرضى بأن يفتتن بالحبيبة حتى ما يستطيع مفارقتها , ولا هو بقادر على الترك , وإن ترك هلك , والهلاك من فوقه هلاك من فوقهما الهلاك هو المحك الذي يقيس الرجال الكرماء , إذا ما عرض عليهم الإختيار بين الجسد والروح .
أما إن هذه المرأة ليست العشيرة التي أختارتها السماء لي , فلو كانت كذلك لرأيت اشارات السماء تدلني عليها , وإن رغبتي بها لا تتعدى رغبات جسد محمومة , وهذه غواية لا تستمرئها روحي .
يارب انظر إلي .

الثلاثاء :

أنا منهك , لكن أعرف طريقي .

Advertisements