انسانية على المحك

إنها ليست المرة الأولى التي يزور فيها القحط بلادنا ضيفا ً ثقيلا ً , ولا هي المرة الأولى التي تجف الأرض في وطني حتى تتشقق بحجم شقوق زلزالية , وتتساقط الطيور من السماء! .
لكنها المرة الأولى التي تقف الحرب في طريقنا , فتمنعنا نحن أهل المدن الساحلية من اعتلاء الجبال , والذهاب حيث بلاد الجنوب .
وبلاد الجنوب هي الأرض التي نتأخذها زادا ً , و مسارح تسول إذا ما أشتد بنا الجوع وأنهكنا القحط .
هم أغنياء هناك بالمطر والزراعة والماشية , ونسائهن جميلات حتى لكأنهن ملائكة تمشي على الأرض , فيهن بياض أهل الجبال وطولهن الفارع .
كانت آخر امرأة جنوبية شاهدتها , قبل ثلاثة سنين من الآن , وقتها كنت فتى في الخامسة عشرة , وكنت أراقبها وهي تضع قربتها فوق رأسها , لتبدو أكتافها من تحت ( شملتها ) , وأفتتـنت بقوتها ونقاء بشرتها , وذلك البياض الذي لم يكن مألوفا ً لساحليتي .
قال لي أخي حسن يوما وهو يراني أراقب احداهن : غض بصرك , ألا تخجل ؟.
قلت له بنزق : ولكنها ليست من ديارنا .
اندهش وقال لي : إذن ؟.
قلت له : إن على الرجل ( الأجودي ) أن يغض بصره فقط عن نساء قبيلته .
شدني بعنف من ذراعي , وبدأ يصرخ بي : هيا اذهب أيها الأحمق للحصاد , إننا لا بد ذاهبون بعد شهر من هنا , و ما أتينا إلى هنا لينبذنا هؤلاء البشر , أو نكسب عداوتهم .
والحق أنني لم أجد أي فرق بين أن ينبذنا هؤلاء البشر أو يتقبلوننا , ولا بين أن يرونني رجل شريف أو حقير , فلقد كنا بالنسبة لهم لا نختلف عن الكلاب المشردة أبدا ً .
كنا نعيش كالغجر بينهم , ففي الوقت الذي كانت بيوتهم مبنية بالحجارة , كنا نبني بيوتنا إلى جوارهم ( عششا ً ) صغيرة كما كانت بيوتنا في السواحل .
وكنا نتقاسم طعامهم مع أبقارهم , وكانوا يلاحقوننا غاضبين بالبنادق , كلما اكتشف أحدهم أننا نسرق طعام ماشيته .
إن كل هذا من الماضي الآن , أما أنا وقبيلتي فمسجونون هنا اليوم , وأي ذل كان ليصيبنا في الأرض الجنوبية تلك , لا يعدل هذا الكبد الذي نعيش فيه هذه الساعة .
أمي ماتت قبل أسبوعين , كان جسدها أرق من أن يحتمل المزيد من هذا الجوع , ورغم أن أختي مريم وضعت لها القليل من الحليب , الذي أحضرته من جارتنا فاطمة , وبعض قرصان الخبز التي صنعتها جدتي , إلا أنها رفضت أن تأكل .
قالت بغضب : إنني لابد ميتة , ولن يرد هذا الطعام إلي روحي , فلتأكلوه أنتم .
لسبب ما _ رغم أنني لم أرد أمي أن تموت أبدا ً _ فرحت بأنها أبقت الطعام لنا . بالتأكيد توسلنا لها كثيرا ً بأن تشاركنا الأكل أقلة , لكنها كانت تعلم أنها تحتضر , كما كانت تعلم جدتي بذلك , والتي بدأت تضع ( طرحتها ) في فمها , لتكبت نحيبها , الذي كان لا يجب أن نسمعه , لتموت أمي بعد ساعة من رفضها . كانت يدها أيبس من قطعة طوب , وفي شفتيها قحط عمره ثلاثة أيام , لم يكن ليبلله ماءنا الوحيد الملوث .
لمت نفسي كثيرا ً على تلك الرغبة الخفية التي أسررتها في نفسي : بأن تترك لنا بعض الطعام أمي . وشعرت كثيرا ً بأنني قتلتها دون قصد برغباتي القاسية تلك , وأنها لا بد رأتها في عيوني , ببصيرة أم ولذلك امتنعت عن الشبع .
وقرصني ضميري كثيرا ً لأننا بعد موتها مباشرة , جلسنا حول سفرة صغير نأكل , أنا وجدتي وأخي حسن وأختي مريم , ونبكي في نفس الوقت .
ثلاثة أيام أغبرت ونحن لم ندخل طعاما ً لجوفنا , وهكذا كانت تلك الجثة الميتة إلى جوارنا لا تمنعنا من أن نسترد الحياة , ونقاوم الموت الماكث قريب منا . بل إن هذا الموت المحيط بنا _ متأكد _ هو الذي عجل في إذكاء رغبتنا في الحياة والأكل ! .
بعد ثلاثة أيام من موتها توقفت عن لوم نفسي , لأن الأيام الثلاثة تلك كان كافية تماما ً ليتوقف الإنسان عن الشعور بكل شيء , ونحن نرى جثة أو اثنتين تخرج من كل بيت .
حاول الناس الزراعة , وأصبحوا يحضرون الماء من البحر القريب ويسقون بذورهم , لكن الأرض لم تكن لتثمر , بل إن الملح هو الذي كان يتكون , ويقتل حتى حشرات الأرض الباقية , والتي كنا نتناولها في محاولة وحيدة للعيش .
أما مجنون القرية ( علي ) فقد شرب من ماء البحر الذي جاءوا به حتى مات , ورغم أن كل من هناك حاول منعه , فإنه كان يجد طريقته إذا ناموا ليشرب ! .
والبعض منهم قلده لما رأى أن علي مات موت رحيم , سريع وفتاك العطش , دون أن تُفيد نصائح شيخ القبيلة في ردعهم .
أختي مريم ولدت بعد موت أمي بشهرين , ولم تتمكن من الفرح بذلك المولود , لأنه كان قد فارق الحياة مختنقا ً بماء الرحم , ولم تكن هناك أي ( داية ) يمكن أن تسعفنا بخبرتها فتنقذه , ولأن مريم فقدت ابنها , وزوجها الذي غادرنا منذ ثمانية أشهر في سفينة بحرية , لا ندرك مصيرها , وأمي من فوق ذلك , فقد كفت عن الكلام والضحك .
جلس حسن يواسيها لأجل ذلك الطفل , لكنها ردت بصرامة : أحسن له , يجيء عشان يموت بعد أيام من الجوع ؟.
فسكت حسن , وبدأ ينكت تراب ( العشة ) بغصن صغير في يده , ويفكر .

مرت أيام قليلة من النفاس , ثم تحاملت مريم على نفسها وأصبحت تمشي , وتزور جاراتها , أما لتواسيهن في ميت أو تتقاسم معهن طعام , أو تتطبب مريضة تحتضر .
كانت مريم رحيمة جدا ً , وكان كل من في حينا يعتبرها أجمل نسائه وألطفهن , وهكذا ما كانت تعود بيدها خالية الوفاض , من بعد كل زيارة .
في كل يوم كانت مريم تحضر فيما تحضره معها : طاسة من الحليب , وتضعها بين أيدينا , ولما كان أخي حسن يسألها : من أين لك هذا ؟ لا تجيب .
كان حليب له طعم مختلف , ولا يشبه أي حليب نعرفه , وبعد أيام اكتشفنا أن مريم تحلب لنا صدرها ! .
كان اكتشاف عابر تعمدنا تجاهله أنا وحسن _ ولم نفكر به حتى بين أنفسنا _ ونحن نمر بها ذات يوم من خلف ( عشتنا ) لنلاحظها دون أن تنتبه لنا .
واستمر الحليب كافيا ً لنا ليبلل كل واحد منا حنجرته , ثم إنه قل جدا ً , حتى انقطع .
ولأننا كنا أيتام , نحاول أن نعيش في مجتمع كان يساعد فيه كل جار جاره ؛ ليستمر لأيام , فقد كان يأتي لنا كل بضعة أيام مايقيم أودنا , وإن انقطع حليب مريم .
إن تأخير الموت أصبح هواية لنا , تحت أمل وحيد بأن يأتي المطر في الغد , ونستمر .
ولكن حسن القوي أصبح غير قادر على المشي , ثم إنه بدأ يمتنع عن الطعام , وكانت مريم تبكي عند رأسه , لتتكلم أخيرا ً متوسلة له بأن يبقى بضعة أيام أخر .
هدهدته في حجرها طوال ليلة كاملة , وهي تغني كمجنونة فقدت عقلها : ياحسن غدا ً يأتي المطر , ياحسن غدا ً يأتي المطر .
وعندما أصبح يغرغر إلا قليل , أمسك بيد مريم وقبلها حتى بللها بلعابه , وهو يتمرغ بها , وكرر على مسامعها كثيرا ً : اغفر لي يا أختي اغفر لي , دون أي كلمة أخرى .
حاولت مريم متوسلة أن تلقمه ثديها , وأقسمت عليه : قد تجد شيء فيه , غير أنه  نفر بوجه وقال : اغفري لي اغفر لي .
أما أنا فخرجت دون أن أقوى على شيء , وصرخت بالسماء : أنا أكفر بك ! .
وفي تلك الليلة نفسها التي مات فيها , جاء النذير يستصرخنا : يا أهل الوادي , قد جاء السيل من الأعالي , فلينجو كل منكم بنفسه .
كانت الأمطار لا تتوقف عن الهطول منذ أسبوع , في أعالي الجبال , وماوصلنا المطر إلا سيلا ً يجتاح كل ما أمامه , ويغرق بيوتنا ومواعين لنا , وبقايا يأس قد توطن قلوبنا .
وسُمي ذلك السيل الكبير ( بسارح الإثنين ) لأنه أصبح الناس في يوم اثنين , يوم كان قاس أيضا ً, ومات فيه الكثير .
إن كثير من أهلي _ الذين تمسكوا بالحياة رغم القحط _ أخذهم ذلك السيل في مجراه , لكنهم أبدا ً لم يكونوا بعدد الذين ماتوا في تلك السنين العجاف .
إنني سعيد , هذا هو اسمي , وقد عشت لأروي , ولي عشرة من الأبناء الآن يعيشون ببذخ , ولا يعرفون عن الموت والقحط شيء , وإذا ما حكيت لهم حكايتي هذه ظنوها خرافة .
وذلك السيل لا أدري أكان رحمة أم عذاب ؟.
لكن كثير من الناس رأوا فيه كما رأيت : عذاب مرحوم , جاء لنعيش نحن ونروي , ويكون لي أخت مجنونة اسمها ( مريم ) , و ليموتوا هم ويتخلصوا من حياة كلها كبد .

Advertisements