أحاديث

مايو 9, 2011

إلى أناي : بعض مني !
والبقية تأتي ..

 

 

( وإذا صليت ِفأنت ترتفعين بروحك لكي تجتمعي في تلك الساعة بأرواح المصلين , الذين لا تستطيعين أن تجتمعي بهم بغير الصلاة )

 

_ ( النبي ) لجبران خليل جبران _

 

الفصل الأول

 

(1)

الشتاء أحلى فصول العام في جزيرتنا العربية الفضفاضة الرقعة , موسم الحب والخصب والطقوس , موسم إزهار الحياة في قلبي .

تمتلئ به روحي حكايا ..
تلتقط عيني التفاصيل منه , فتنسجها ملابس دهشة لفؤادي , مبهرجة بأغنيات الشتاء .
جبران , طاغور , الشابي , عمر أبو ريشة , وغيرهم كثير يسكبون أرواحهم مطعمة بالرقص في روحي وينتعشون , وأنا أشتاقك … مليئة بالشعر و أشتاقك .

أتدري يا أعز من حبات العيون ؟
للوهلة الأولى من وداعنا كنت أتسأل _ بدهشة بالغة من دقة القدر في اختيار الوسيلة والتوقيت الأقسى , واضعا ًالبشر على المحك في تجارب حياتهم _ : (كيف يعذبني الله بفراقك , وفي أكثر فصول السنة التي أحتاج فيها لروح أنسكب بها بوحا ً ؟ ).

ويشهد الله أني وجدت في بعدك من بعد , معنى من القرب يمتزج بروحي , بحيث لم تتجاوز أنملة من مكانك حيث كنت , هناك في النقطة الأعمق من الفؤاد ؛ تلك النقطة التي لو قُلبنا والكون بأسره رأسا ً على عقب لم تتغير أو تنقلب بمكنوناتها , ثابتة كأوتاد السماء ومثلها غير مرئية !.
كان وجودك في الحياة معجزة كونية , أعادت كتابة قوانين َبكر لحياتي , وغيرت مسارات أفلاكي , ثم أوقفتني في مسجد الصلاة شاكرة مذهولة بالخشوع .

كنت النصف المرادف لي , نصف التفاحة الخاصة بي , كنت أنت أنا بكل ما في المطابقة من تماثل ..
نسخة كربونية مني لا يميز بيننا شيء , وكنت دهشتي عندما فرغت الحياة من أي دهشة قد تنعش تواجدي .

كيف أنعم الله علي بكل هذا القدر من الحقيقة , في ساعة من الحياة هي أحلك ساعات حياتي , عندما كنت أقف على عتبة الزهد من العيش وأرغب بقتل نفسي ؟.

للحب سر رباني لا تملك أرواحنا في مواجهته إلا الابتهال شكرا ً.
كيف بدأ , كيف كان , وكيف سينتهي ؟ الله وحده يعلم !.

****
كلما اشتقتك غاية الشوق , وبرح بي الهوى همست أبتهل بإخلاص حقيقي لله:
(
ربي أنت حاجتنا , وكلما زدتنا من ذاتك زدتنا من كل شيء ).

كدت أبكي في وداعنا,كادت تمزق حنجرتي غصة مسافرة تجر بكفها دمعة,لكن فكرت لوهلة:وحدهم المغادرون للأبد من نسكب عليهم فيوض العيون , أما أولئك الماكثون في منازلنا , من تشهد لحظات أعمارهم قلوبنا , وترقب تبدل ملامحهم عيوننا , فإنا نتعايش معهم باللامبالاة وحدها , وهكذا شيعتك .

لم نتفارق وهلة وأنت ..
أنت هنا حيث استوطنت القلب يوما ً, تظللك أحلام الوسن , ترعاك أكف الأحلام , وتهدهدك أغنيات قلبي .

ولأن الروح أثيرية لا يحدها شيء , لا يقيدها بعد , ولا تحجبها حواجز الدنيا بجميعها نذرت لك روحي .

أدرك أن تواصل البشر الواقعي : حديثا ً وملامسة ونظر _بدون روح الألفة_ لا يعادل تواصل وحيد يكون بين روحين متآلفتين , وإن فرغ اتصالهما من الصوت و اللمس و النظر ؛ فقدست تواصل الأرواح منا : بالتخاطر , والتسامي فوق الوجود البشري .

أصلي بعمق كل ليلة , أصلي وأنا أحلق بكل طاقاتي الروحية إلى مكان اجتماع الأرواح المصلية في السماء , هناك أجلس إلى جوارك وأتأملك حيث لا يتأتى الحضور إلا لأرواح تصلي بالحب لله الكون .

وهل هناك قوة في الأرض قادرة على منع اجتماعنا بالصلاة ؟! .

(2)

 

لست هنا في معرض كتابة لقصة حبنا المعجزة .
نكتب القصص عندما نشهد الخاتمة . القصص المفتوحة النهايات , من تملك يد القدر وحدها : خاتمتها , هي قصص يجب أن نمنحها الفرصة لتختمر في القلب , فلا نسقيها البشرية إلا عندما تعتق غاية الإسكار , وهل تعتقت قصتنا ليشربها أحد ؟!

إن خمرة حبنا المقدسة مازلت تواصل تعتقها في كوز السماء , مختوم عليها بصمت دهشتنا , وهي ليست لشرب أحد .

غير أني هنا أكتب لك بقية التفاصيل التي لا نستطيع أن نتحدث عنها في مسجد صلاتنا المقدس , لحظات الحياة الصغيرة التي غربت عن عيون مراقبتك , لأنسكب كلي ( بهذا البوح ) في بحر قلبك .

صيف كامل وأشهر مضت بلحظاتها , وأنا أسجل لك الصور والانطباعات بكاميرا الفؤاد , وتحميض الكيبورد ! .
لكن كارثة تقنية أودت بتلك الصفحات لهاوية الهلاك , فعلمتني درسا ً عن روعة القديم وإن تهالك , فاحتضنت صديقي القلم وبدأت أحمض به صور القلب , وإن كانت الجودة أقل والوقت المهدر أكثر .

كثيرة الأشياء التي كتبت لك , كثيرة حقا ً بحيث تبلغ أكثر من مائة صفحة …. بها عجالة أفكار , أتبعتها بدفتر ورقي صغير سجلت به مايفوق الثلاث مائة ملاحظة وفكرة وخاطرة تدفقت من جنون اشتياقي لك , فأي بريد أرسل به ما تمخض , ليكون بحقيقته خاصا ً بك ؟.
أ ُقفلت وسائل الاتصال في وجوهنا بجميعها , مغايضة ًو مناكدة ًمن القدر , ربما لنتعلم حكمة الفقد الكامل .

***

قبل أن أتسربل بالحب من أخمص القدمين لأطراف خصلات شعر رأسي كنت أتحدى : أن لا شيء يفوق قدرتي على الترك .
وعندما أحببتك ما عاد فزعي إلى ضرس من حديد ليفيد ! .
وهيت لنا , والرافعي يقول مؤكدا ً : ( آه ماكان لي ولهذا البلاء الجميل ؟! .
فإن عهدي بهذه النفس أنها مصممة حكيمة , إذا فزعت تفزع إلى ضرس من حديد , وإذا همت أمضت عزيمتها فما يند منها شيء إلا ضبطته وأحكمته , وإن عهدي بهذا العقل أنه نافذ دهي ذو حرب وسلم في أساليب الحكمة والسياسة .
لكن الإنسان يبتلى ليعرف أن كل ما فيه إن هو إلا وديعة الغيب فيه .. فما شاء الله ضر وإن لم يكن إلا نفعا ً , والأسباب كالعمر لا يملك الإنسان استمراره لحظة واحدة , وقد يستمر على ذلك ما يستمر( .

 

محاولات كثيرة ودؤوبة كانت ؛ لنمتنع عن كل ما قد يشوب علاقتنا من شوائب الطبيعة الطينية فينا , ومحاولات أكثر لنحترم رأي الملامسين لنا والمتشاركين معنا حدود حريتنا , من أفراد عائلتي وعائلتك , وكان مصيرها الفشل ! غلاب هو الحب , وأناني ..

غير أن الله من ّ علينا من بعد بنعمة أن نترك له وحده لا لأحد سواه , ليخرجنا من الحب الأدنى للحب الأعلى ..
وهل دروس الحب البشرية بجميعها وأنواعها كانت إلا لنفهم درس وحيد وأعمق عن محبة خالق الكون الأوحد.
إن الحب في سموه الإنساني المتزيد يملأنا بفيض حب , ينسكب في الروح حتى يتجاوزها للكون كله , فنحب الكون من محبة ذلك الواحد الذي كان نصفنا , نحب العالم بأفلاكه ومجراته , بكائناته الحية والجامدة لأنها تشاركت معنا وجود ذلك الحبيب في هذا الكون الممتد واللانهائي والذي يشملنا , لكن الحب الأصيل في أقصى ارتفاع مطلق له يوصلنا لمحبة المنعم الأكبر : الله .

وهكذا كان حبك !
فخرجت من محبة نفسي لحبك , من حبك لحب الكون لحب الله من بعد.
وأدرك أن الله لطيف غاية اللطف ليرأف بحالنا , وقد خرجنا من الحرص على نيل حظوظ أنفسنا لننال حظ من محبته وقربه .

عزيز كريم قادر هو الله على أخرجنا من ذل الفقد الضارب أطنابه في الفؤاد , ليعزنا امتلاءً بمحبته سبحانه , آمين .
ولولا الهوى ماذل في الأرض عاشق ولكن عزيز العاشقين ذليل !

( 3 )

متأكدة بادراك كامل وقد عشقت حتى الثمالة , أن الحب هو الوسيلة الأفضل لإنقاذنا .
إن حقيقة الحب الكامل هو توفيق مطلق من الله , لأن الروح تتكامل به , اكتمالا ً ما كان ليكون لها بغير سبيل الحب !..
(
الحب كنز ثمين يودعه الله النفوس الكبيرة الحساسة )
في الحب غفران يجعلنا نغفر لأنفسنا زلات الماضي و هناته , وفي الحب تضحية تخرجنا من دائرة التمركز على الذات لدائرة العالم الأوسع , في الحب قداسية روحية تجعلنا نقدس كل ما هو سر للكون وغامض من غوامضه , في الحب معجزة تأكد لنا كل ما هو عجائبي ومعجز وخارج عن تصديق العقل البشري ؛ وهل وعينا بالكون يحتاج لأكثر من أن نخرج عن تصور العقل الضيق , للتصور الشامل المندهش لعالم الماورائيات؟.
في الحب دهشة ممتزجة بالزهد تخرجنا من الحياة غرئزا ً ورغبات , للحياة بالفضائل , ارتفاع الغايات والاتزان ..
للحب وجع وذل يذكرنا بكل وجع لمن توجع , وبكل ذل لمن ذل وبكل فقر لمن افتقر .

يا رب الكون يا رب السموات السبع ومن فيهن : ألست وقد أدهشتنا بالحب ولذته المطلقة اللامحسوسة , إنما تضع في عقولنا خلاصة حقيقة اللذة الكبرى للقائك , أنت السر المطلق الرباني في قلوبنا؟!

***
إن وجودك في هذا الكون يكفيني يا أنا , يكفيني أن أغمض عيني وأتصور مكانك في هذا الكون تتوجع لوجع كان لي , أو تبتسم لبسمة تنهدت من بين شفتي .

يكفيني أن أدرك أن إنسان في هذه المجرة يعلم حقا ً من أنا , تلبسني لدرجة أنه وصل لأعمق أعمق نقطة في دهاليز روحي .

يكفيني أنك ستغمض عينيك يوما ً وستتنهد , لأن تلك النقطة العميقة من فؤادك همست باسمي وسبحت .

يكفيني بالفعل أنك هنا في فؤادي مهما تنآت بك الديار , وأينما تنفستك سماء .

أمغمض عينيك الآن , تحتضن روحي ؟
أنا أفعل , ورب الحب أفعل ..أهدهد أرقك , وأشرب كل وجع يئز في فؤادك .

تدري يا أنا ؟
والله ما أريد منك مال ولا مأوى ولا جسد , ولو تأتى للحياة أن تسمح لنا بأن نجلس معا ً لما طلبت شيء أكثر من لمس أصابعك , تأملك ومشاهدة صورة روحي في اشراقة وجهك ..
والله لو كان الله يمن علينا بتغيير جنسنا لجعلت من نفسي رجلا ً لأصادقك الدهر كله , وأحدثك متى ما اشتهت روحي , نصف روح تتكامل مع نصف روح بالحديث والمجالسة لا غير .
ماتمنيت يوما ً أن أغير جنسي قبلك .

هذه الحرارة الروحية و التوق اللامحدود المترفع عن جميع الميول الأرضية , والذي يجمع أنثى بذكر , أي القواميس يمكن أن تأتي له باسم ؟

قبل أن تتلبسني مرضا ً لا فكاك منه ,كنت أظن الحب رغائب جسدية عنيفة مصبوغة بميل روحي مشبوب ..

وعندما عرفتك أدركت أن تلك الصورة من الجسد الممتزج بالروح إنما هي أدني وأول مرحلة من مراحل الحب , ثم ترتفع الحاجات , وترتفع النفس بالحب , حتى تجعل منه ميل روحي ليس من ورائه شيء , كما زوجين قد شاخ بهما الزمان , وجمعهما الود .

 

5/11/2007

2 حاشية قلب

مايو 6, 2011

 

 

(حافظي على قلبك , فالشعب المكبوت سيحتاجه جدارا ً؛ لكتابة هراءه بعد أن أصبحت كل الجدران غير كافية)

هكذا كنت تصرخ بي والجفاف يحصد حقول حنجرتك , ولا شيء في مدى حلمنا إلا السراب , والطيور تأكل من رأس شجاعتنا , وأنا لا أبكي ولا أكتب كما وعدت , لأن الكتابة هي تقديم قلبي ملفوفا ً في سولفان فاخر ؛ ليكتب الشعب المار عليه بقية من هراء .

البارحة كانت قاسية , وأنت لم تكف عن التمسك بتلابيب قلبي , متخذا ً من روحي معبد بكاء ضجر .
وكنت تعلم دون شك بأني أملك روحا ً طوافة , وجسدا ً معتزلا ً , وأحلام عمرها قرن , وقيود شديدة الإحكام , وأقاتل نفسي كي لا أكتب ولا أفجر ولا أكفر ولا أمارس صنوف الفن , فلم كنت تعذبني بك ؟.
ألا تدرك أيها القاسي حد الفجيعة أن جسدي ما عاد يحتمل , ورهبنتي ما عادت تنقذني , وأنا على حافة الانغماس في طوفان أحمر له لون الدم , وبه طعم الفقد , وجوانبه وحدة من فوقها وحدة من تحتهما وحدة , والحياد الموجوع سراب ! .
تذكُر عندما أخبرتك : لا أريد أن أتوجع لأني يجب أن لا أتوجع , ولكني أتوجع لأني أتوجع ؟.
ما عدت أفعل هذا , أصبحت أترك لنفسي هواها حتى تنصهر عظامي , وأغفل عنها , وأعمل .
ضيعت قناعاتي في هذا العالم , والتشبث اللحوح بقشة العقل الباقية في , لا ينقذني .
وقبل أسبوعين أو ثلاثة أرسل لنا صاحبنا تلك المرأة التي تعرف ؛ لتدخل على عزلتي , وتقدم لي روحها قوتا ً , وضحكت حتى بكيت , وبكيت حتى ضحكت .
وأدركت أن روح تلك المرأة الأربعينية فوق قدرتي على المقاومة , وفوق قدرتي على الاحتواء , وشعرت بروحي وقلبي وهما يذوبان كثلج صهرته نار , ثم يمتزجان بها .
كان البكاء حين ذاك يعني خسارة موقفي , أما هي فلم تسمح لي بأن أظن ذلك , وما كفت عن القول لي : يا عزيزة النفس جدا ً كلنا لله .
وأقسمت لها أني لا أبغي حظوة لنفسي ولا إعزازا ً , لكن سئمت , وأي أحمال لي هي لي , و لا أريد أن أثقل بها آخرين , وإني لأبخل على فجائعي ومواجعي أن أتفضل عليه بفضلة من روحي , فكيف أتفضل عليها بروح آدمية كاملة سواي ؟
إن مواجعي لا تشبع , ولن يُطيق حملها جبل غني بالخضرة والماء فهو عصي على التشقق والنحت , فكيف تطيقها روح بشرية مستضعفة ؟.

أنا أفقد رائحتي , وصوتي , وفضائلي , ومساويء , وأغدو جسدا ً خشبيا ً مجوفا ً , وهي المرأة الصبور تأبى أن تترك يدي , وربما أنا لا أستطيع ترك يدها .

أوجاع رهيبة رهيبة تمزق كل خلية من جسدي , وأدرك أني انحدرت مرة أخرى نحو هاوية لا قعر لها , والجحيم في باطنها جائع رغم شبعه بألف روح سبقتني !.
ولا أدري للحق كيف لأحدهم أن يترك نفسه للانزلاق , وهو يدرك أنه ذاهب لجحيم فوق جحيمه وما عاد به ذرة إنسانية تصبر ! .
ما الذي علي أن أفعله , أخبرني ؟
لا أحد منا يملك الحل , والنار تتعملق في جوفي , و هذه المجرة غبش لا أراه ! .
غادرتني الأهداف منذ دهر بعيد , والموت لا يأتي والتراب لا يشتاقنا نحن الذين نشتاقه لدرجة الاستجداء .
جربت الضحك كثيرا ً , ودخلت على مواقع النكت الرخيصة , وطرقت أصابعي كل أزرار ” الكيبورد ” بحثا ً عن متع لا تُخسر ولا تربح , أردت أن أقف على الحياد مرة واحدة ولو كان هذا الشيء في طلب متعة , ولكن ما وجدت ! .
لم تأتي الأشياء في هذه الحياة على طرفي نقيض ؟ لم لا تتوسط الأشياء في وقعها ومنحها وأخذها ؟
يا ترى هل هي من تمتنع أم أن أرواحنا المريضة من تأبى ؟
يخيل لي كثيرا ً أننا وهم ضخم , والكون وهم أضخم , وأننا لا بد أن نكون مجرد حلم لنائم , سيستيقظ بعد قليل على كون لا يشملنا , ولا نشكل حقيقة فيه .
وقتها ماذا سنكون أنت وأنت ؟
مجرد صفحتين متقابلتين من كتاب قدر لكائن يحلم ؟
ولكن أعساي أريدك حلما ً ولا أتوجع هذا الوجع كله ؟
ما أبأس خيارتنا , وأقلها وأضناها .

.

إنها لحاشية قلب يا أنا , أما قلبي كله فعصي على التداول .. ولأن قلبي ظلام فأنا أسود الصفحات ؛ لعل حبر روحي يخف أو يبهت , فتنفتح كوة ضوء في كوني الأسود الداخلي , وتنفرج الغمة ! .

لا تحاسبني .
الكتابة هي النافذة الوحيدة غير الموصدة أمامي , وأعرف أننا نتفق سواسية أن الكتابة قضية لا مزاج ولا بوح , ولكن تفيض الكأس كثيرا ً بأحمالها , ولا بد من قشة تهد ظهر البعير … قشة البارحة هدت ظهر بعير صبري !.
أفكر في الدنيا والكون والناس , ولا أجد لي مهرب , ولا أبغي عندهم مهرب , أستعرضهم جميعا ً في قائمة أرقام  “جوالي” , في عناوين ” ماسنجري ” , في وجوه أهلي وصديقاتي , وأدرك أني غنية عن الجميع إلاك .
وغنية عنك في نفس الوقت جبرا ً لا صبرا ً ولا اختيارا ً .
أخرجهم جميعا ً من نوافذ القلب , ومن بوابة الروح , وأوصد ضدهم متاريس صد مفعلة , وأرفض أن أترك لأحدهم أن يلمس خلية من فؤادي , لأنهم يؤذونني عندما يفعلون .

 إنهم يتركون بعدهم امرأة تجلد نفسها بسياط الذل حتى تنهار , لأنها أدركت بأنها لا يمكن أن تحصل على عزلتها النهائية ولا تصمت .

 متى سأكبر ؟
أجد نفسي _ كلما قلت لنفسي أني كبرت _ في نفس المكان , وروحي تتسع لكن لا تشيخ , على عكس كائنات خلق الله الذين يحل بهم ضجر ويشيخون .

 أكثر ما أرعبني في تلك المرأة الأربعينية التي وقفت ببابي أنها شابة الروح بطريقة فادحة .
شابة الروح لدرجة أنك تشك أنها في بدايات العشرين , إي والله .
وشعرت بفجيعة كاملة وبكيت , بكيت حقا ً , ولم أستطع أن أقاوم رعبي وذلي وهواني وأنا أرى مستقبلي ماثل أمامي بذلك البين الواضح ! .
ولما سألتني لم تبكين ؟
جف صوتي , ثم استدركت بعد صمت طويل : أنت لا تكبرين ! . .
ولكنها استدركت علي : ولكن لا بأس صدقيني , لا بأس .
كيف لا بأس يا أنا ؟
أنا لا يمكن أن أحتمل أن لا أشيخ , أنا انتظر شيخوختي على أحر من الجمر لا يمكن أن أبقى مثلها أتعذب شابة .. إن هذه لهو المرار الرهيب .
وأخبرني من بعد _ صاحبنا _ بأن أصحاب الروح التي كأرواحنا لا يكبرون , وأنهم يسافرون في رحلات روحية ولا يظهر عليهم أثر السفر , ولا بعد المراد .
تبـا ً وسحقا ً حتى يشيخون ! .
تذكرت حينها يا أنا فيلم( الخالدون ) وأدركت معنى العذاب الذي يصورونه في تلك الأفلام , عن البشرية التي لا تموت ولا تشيخ ولا تتغير .
من الذي يريد الخلود ؟
لولا أننا مغادرون لما تمتعنا بالأشياء , ولا أصبح للحياة عندنا معنى .
الركض , التنافس , التحدي , الإسراع في التعلم , وفي اكتشاف الأشياء هو الذي يمنحنا الصبر لأننا نقتات على دهشات متكررة مهما صغرت , وانعدام الدهشة موت مؤجل .
تحدث كثير من الأشياء في عالمي هذه الأيام , فلم عندما أحكم إقفال كوني تتسرب الأشياء بكثرة من ثقوب أبوابي ونوافذي , وكأنني تركتها للريح مشرعة ؟!.
ربما أنا أصبح حساسة أكثر لأي نسمة ريح وروح تزورني , ولذلك أكشر عن أنياب غضبي , وألتهم روحي تأنيبا ً ! .

 كان أخي يقول دائما : إذا أردت أن لا يلاحظ أحد شيء يهمك , فدعه مرمى على قارعة طريق ؛ لا يتلف الأشخاص للأشياء المهملة .
وأنا أحاول أن أهمل كل شيء , أهمل جديتي , أهمل هوسي بالكتابة , أهمل أهدافي , أهمل عزلتي , وأهمل كل ماقد يخصني , لتتوقف الأقدار عن تعذيبي باستلابها والتعدي عليها .

 مفجوعة لأني أكتب الساعة , وفي أسفل معدتي ينز وجع غاضب , وصوت ساخر يقف على جانب من فؤادي مشيرا ً لي بأصبعه ويقهقه .
سافلة الحرب عندما تبدأ بك منك , فتنتصر نفسك عليك , ولا تدرك أي جوانب روحك الأصح والأجدر بالتأييد .
.

أخجل من نفسي كثيرا ً لأني أنانية ولا أرى سواي , وأمارس عزلتي في الوقت الذي أدرك أن كثر يحتاجون لروحي .
يقولون : ( الأروح قوت للأرواح ) .
وأنا أعرف في قرارة نفسي أني أتعمد عزلتي بهذا القسوة ؛ لأني لا أريد لأحد أن يقتات من روحي , وخاصة أن روحه لا تشبهني ولا يمكن أن أقتات منها .
نحن نملك أرواحا ً متشكلة يا أنا , بحيث قد نتشابه مع أي روح حتى يظن الشخص الآخر بأننا نسخة منه , ونحن أبعد ما نكون عنه .
فيقتات هو من تشكل أرواحنا , ونحن لا نقتات من روحه ! .
من الأصدقاء يا أنا ؟
الذين يتبادلون قوت أرواحهم بنفس الفعالية والدرجة , وهم المتآلفون .

وليس في الحياة كثير أرواح تتآلف معي , إنها قليلة لا تتعدى الأرواح الأربعة .
وبقية الكون لا يشكل لي أي قوت , بل إنه ثقب أسود يجذب روحي إليه , يتشبث بها , وينهكني .

أقوياء الروح , الذين يمدون يد المساعدة لكل أحد ,  هم أشخاص يستمدون طاقتهم من عبادة الله , فيصدرونها لخلقه , ثم لا ينهكون , ونحن أبعد ما نكون عن مصدر النور الحقيقي , وملهم الصبر والسلون .

والحق أنني لم أصل بعد لمصدر النور , ومازلت لا أطيق أن يعتمد العالم علي , ولا أن يحسن بي الظن , ولا أن يطالبني بشيء .

ولأنني لم أصل لهذا الاكتفاء بعد , وربما لا أصل أبدا ً فأنا أكتب ! .

 و عندما تأتي الأشياء متدافعة بهكذا درجة فأنا أمارس عزلة مع الفن رغما ً عن حاجة الكون كله لي , اقرأ لبعض المجانين الضائعين , وأتوسد بعض المجانين الضائعين الأخر , وأكتب .

منخورة بالفراق والعذاب ومازلت أمشي , مقتولة ومازلت أمشي , حقيرة ومازلت أمشي , وكل الأشياء التافهة والعظيمة ومازلت أمشي ؛ لأن الموت حق لم ينزل بداري , ولا يحق لي أن أجلس وانتظره .
إن في الصمت يا أنا إشارة لا تخطئ عن وجع عظيم , وإن الحزن لمفردة صغيرة جدا ً ؛ لتصف ذلك الضجر الحقيقي المتسرطن في الروح , الضجر الحقيقي حتى من ملامسة ملابسك لجسدك .
لذلك صمت يا أنا , صمت صادق عسى الله أن يرأف بحالنا .

هل علي أن أكف عن الكتابة مطلقا ً؟ أم ألملم شعث نفسي على مقدار قصة ومشهد لا يفضح ؟.
أخبروني أيها السيارة فقد وضعت في أكياس حملكم صواع قلبي! .
يخال لي أن محترفي القص والشعر لا يمارسون هذه القيود من الكتابة ؛ إلا ليحتفظوا بالفضائح مستترة بأستار الأدب وقيوده!.
وأنا التي لم تسترني قصة , ولم تطوع لي القصائد نفسها , و أهش من إغراء قلم يبوح .

 احتقريني أيتها الصفحات فأنا أحتقرك , احتقريني اليوم وغدا ً ؛ لأني ورب الأقلام لا بد منتصرة يوما ً عليك , وعلى غوايتك , وسأكون أكبر من كاتبة , والورقة أدنى من أن تغويني .
لا تنظروا إلي , كفوا عن القراءة لي , إني استحم بعزتي فأريقها حبرا ً أسود , وأي شيء أذل على الكاتب من أن يستحم بعزته وقلبه , وماء ستره ؟.

 قاتلكم الله معشر الكتاب الغاوين المضلين , وقاتلني الله لجواركم , فأي شيء نقدمه للكون سوى الهراء واستعراض حقيقة الوجود الواقعة في ضمير كل أحد ويعرفها كل أحد ! .
نحن مجرد أصوات , أصوات لهذه البشرية , فمن الذي يرضى بأن يكون صوت لا فعل , ومن الذي يرضى بأن يكنس كل حقائق البشرية ويجعل من الورقة محض مغرفة ؟! .
ما حاجة البشرية للصوت ؟
إنها ماضية دون أن تحتاج لأصواتنا , وأصوات أفئدتهم التي يسكبونها في ضمائرنا … أمعقول أننا نقرب لهم حقائق أنفسهم التي لا يفهمونها ؟.
إن كنا نفعل ذلك فإن الكتابة استبصار , رغم أني أشك في هذا لكثرة من عاشرت ، إنهم يعرفون حقائق قلوبهم دون أن نبصرهم بها .
يا الله حررني , حررني فأنا مستعبدة أكتب منذ الثامنة من العمر , وإنها لعبودية طويلة يا الله .
أريد أن أثور على كل قيودي , حتى لو كانت بمقياس قلم وورقة , فالقيود توجعني وأنا امرأة جموح .
أغمض عيني فلا أرى سوى قدر واحد لي مستمرة عليه منذ مولدي , وروحي تُكرس لهذا الهدف بكل الوسائل , وأنا أريد شيء آخر فقد سئمت .
يا كتاب روسيا العظماء الأجلاء الذين أحب , أريد كراهيتكم الساعة قليلا ً , وأريد أن أكفر بكل ما هو أدبي وثقافي وحقيقي مني .
ولا أريد شيء بعدكم , لا أريد شيء حتى لو وضع في أواني مذهبة , وأباريق من مرمر .
و إن كان لا بد من خيار فأريد أن أجن أو أموت .

**

مالذي أكتبه الساعة ؟
لا أدري !
ولكن أحررني , أحررني بذلي ! .
فما حصل يوما ً أن ذلت امرأة نفسها إلا ثارت لكرامتها , ولا بد أن أثور لكرامتي , والكرامة عندي تحرر من كل شيء .
من كل ما أعيش لأجله , حتى أصبح عائشة لأجل الله فقط , أو لا لأجل شيء , إن أبى الله أن يهبني نور رحمة ويقين .
أنا عنيدة , عنيفة , ” عبيطة ” , شرسة , و الكون لا يمكن أن يسير على حسب مزاجي , أدري .. ومع ذلك أريد و لو .

 6_ 4_ 2009 م

1

مايو 6, 2011

 

 

 

_ يقولون : ” الطفش مو زين ” .
* _  قولي : قسم !

_ والله العظيم .

 

*_  ثم ؟

 

_ صعب يا أخي أن تكون أكبر مهماتك في الحياة عندما تستيقظ صباحا ً أن لا تموت .
وأن تكون أكبر انجازاتك أن تبقى حيا ً لفترة مقبلة من الحياة , وإن كانت تبلغ جزء من الساعة .
إنهم يقضمون القلوب بطاحونة التقاليد كل يوم , كان عليهم أن يدركوا أن لاشيء يقف أمام قلب عاشق .

*_ وكأنك ستغير الحياة ؟.

_ لا أنوي تغييرها , المشكلة أنني لا أنوي تغييرها , إنني أرغب أن لا يكلفونني بمهمات أخرى لا تناسب قياس شخصيتي لا غير ـ مادمت قد أطعتهم بمقياس تقاليدهم ـ هل من الصعب جدا ً أن يتركونني أتنفس ولو من خرم إبرة الوحدة ؟.
أريد قليل من الوحدة لا غير , الوحدة الكاملة , حتى تنبت على شفتي تشققات صمت عطشان  .

* _ يا أخي أنت ” رومانسي بشكل ” .

_ نعم لأنني عاطفي جدا ً أصبح الكون بالنسبة لي نافذة مفتوحة على تفاصيل ساعة من الداخل , منضبطة التفاصيل , وتشبه الحقيقة الكونية , لكنها غريبة عن قلبي .. إنني لا أسير كساعة , أنا أتمايل كزنبرك , وقد أستطيل , أتمدد حتى أصبح غير قادر على الرجوع لحالتي الأولى , إنني مطاطي وقد أذوب تحت حرارة اليأس فانتحر .
لكنه هذا العالم اللعين وقد انتكست مفاهيمه هو من أحالني لذلك .
ماذا كان يقول ذلك العاطفي الأحمق كمثلي ؟.

( انقلاب تاريخي : اللامهذب لم يعد الجنسي، وإنما العاطفي، محرّما في الحقيقة باسم أخلاقيات لم تعرف من قبل …
إن كل العالم يعرف أن فلانا يعاني من صعوبات جنسية ، في حين أن أحدا لا يهتم بالشقاء الذي يعانيه فلان من عاطفته، والحب فاحش بالذات لأنه يضع العاطفي في موضع الجنسي، مثل الطفل العاطفي الشيخ فورييه وقد قال ” الذي يموت عشقا هو  بنفس تلك الدرجة من الفحش التي يموت بها الرئيس فلكس فور نتيجة للاحتقانات الجلدية بجانب عشيقته ) . دانيال شارل

إنني مصاب بالأرق حقيقة , وهذا شيء سهل , الشيء الذي يبدو غير سهلا ً في الأرق , أن تتخيل أن كأس الماء الوحيدة التي تعيش بسبب منها , يشربها شخص آخر بترف لا يعني له أي شيء .

 

 أنت كأسي الوحيدة , فتبا ً لي كيف أضعت روحي دون أن أقاوم كفاية ؟.

* _  ألا تشعر بأنك تبالغ في ردة فعلك تجاه الأشياء ؟ .

_ ليتني أفعل ليتني أفعل ياصاح ! لكن تلك حكاية أخرى يجب أن نتفرغ لحكايتها .


أما الآن فإنني أهذي بطريقة واهنة غير راشدة , ولذلك دعنا نرى أي مسودة ستأتي بها هذه الصفحات ..


لا تظن أبدا ً أنني جئت هنا ليتفرج العالم علي , أو لأتحدث لهم بصوت مرتفع _ مع أن هذا وارد بشدة _ إنما جئت لأتحول من غرفتي الصامتة وفراشي المخدر بالمرض , ورائحة الجو الذي لم يتنفس الشمس منذ شهر حيث هنا , لعل التقلب على جنب آخر يخفف من تقرحات الجسد المستكين منذ ستة شهر على جنب واحد لا ينقلب .
إنني أصرخ بصوت عال , أعد مع الساعة الدقائق , أشرب قهوتي باردة , لم أخرج من غرفتي منذ قرن , أتنفس هواء ملوثا ً بالصمت , و الاستفراغ المريض منذ أسبوعين , أتناول شرائح جبن وبسكويت طوال المساء , أصرخ في كيس من النايلون ساعة كل يوم , وأقف أمام المرأة وأغير ملامح وجهي بيدي حتى أتعب ثم أنام … هل هذه حياة ؟.


* _ إنها ليست كذلك ؟ ولكن كل هذا بسببك , تستطيع اختلاق هدف أيها المخروم العقل .

_ هاه ؟ .
هدف ! .
كيف ملامح هذا الشيء ؟ .
اسمع أيها الصوت الشاذ , أعرف أنك أحكم مني بمراحل , يمكنني أن أرى ذلك من ملامح عيونك , يمكنني أن أتنفس هذا من بين أسنانك , يمكنني أن لا أشك في هذا من طريقة تناولك لطعامك بكل هذه الشهية , لكنني لا أريد الاستماع لك , لقد تحدث الكون طويلا ً إلي , وجاء دوري لأتحدث ..
سأحكي لك قصص , سأكتب لك كثيرا ً , سأهدهدك بالملل حتى تتثاءب وتنام .. لا عليك .

 لكن الآن والآن فقط أريد أن أصرخ بصوت عال , أن أزلزل جزيئات الفضاء النتي بصراخي حتى تتشظى , وثق بي لن أحدث انفجارا ً نوويا ً , فاعتراضاتي أهون من ذلك بكثير .
دعوني أتحدث وأشرب من عطش الحديث شراب السكينة حتى تنبت في رأسي شجرة الكفاية وبعض من هدوء الحكمة .
ياذو العظمة الخالدة , يا الله إني أموت .

 

 

*

 

_ كنا معا ً ياصاح , كنا معا ً .. تخيل .
ثم ماذا ؟.
أنا هنا أكتب من على بعد ألف سنة ضوئية , وهو هناك في عالم آخر يبعد ألف سنة ضوئية أخرى ويقرأ كل هذا الهراء الذي أكتبه , إنه يتعاطى حكمة العيش في الزوايا يا صاح , إنه لا يتفرج من زاويته كما قد تظن , أبدا ً , إنه يجلد نفسه لاغير .

 ويبالغ في جلد نفسه حتى تصبح الأسواط هي أربطة الجسم بدل مفاصله وعضلاته  .
إنه يذوب , ليس كما تذوب الشمعة , بل كما يذوب الذهب من أثر الزئبق .
وأصبح صامتا ً كسفينة نوح وقد غادرها راكبوها منذ ألف عام في زاوية من العالم منسية , إنه هرم كعروق عجوز نافرة , وبصوته بحة لا تشبه شيء إلا حنين الرياح في الكهوف , إنه يغامر بالعطل يا صاحبي , يغامر بالعطل تاركا ً إياي خلفه وأموت  .

لم أعد كفايته ,  أعرف واثقا ً أنني لم أعد كفايته , وهو لم يعد كفايتي , ليس لأننا مختلفي القياس روحيا ً , بل لأننا نتمدد باتجاه الكون المرتفع الماورائي , وهذا الكون لا يسمح بوجود الأنصاف , إن الكون يريدك بذاتك ولوحدك .
حاولنا جهدنا أن نقنع مرآة السماء في الأعلى أننا شخص واحد , واحد لا ينفصل في ردات فعله , وفي اتجاهاته , وفي طريقة تعاطيه مع الأشياء , لكن مرآة السماء عكست لنا صورة العالم الأدنى ساخرة , وجعلتنا نرى فيما خلف صورتنا الواحدة أنا وهو : كون دنيوي كامل يفرق بيننا , وينحشر مابين روحينا كعفريت متخفي بنذالة فادحة .
لم أبكي يا صاح , كان تحديَ للسماء يشبه تحدي تلك النجمة لإرادة الله وهي تصرخ بشقيقتها الأخرى من النجوم , سأدور حول السماء أيتها النجمة المستعينة بربها , شاء ربك أو لم يشاء ! , فجعلها الله تتنقل مابين المغرب والمشرق دون أن تدور حول الأرض , بعكس شقيقتها التي سلمت كفها لله فأدارها الله بصمت حكيم حول محور الأرض حتى يوم الديمومة  . وأنا لست النجمة الغبية التي لا تسلم أن أرادتها إنما بيد الله .

للحق ياصاح , وأقسم لك , أنني كشجرة لبلاب ضعيفة , تتمدد حول أي جدار واقف بالقرب منها , وتتفرع تتفرع , لكن سر قوتها في ضعفها , فلأنها ضعيفة لتستند على الآخرين , هي قوية المرونة لتتمدد , وتتمدد .
لا أريد لأحد أن يرحم ضعفي , إنني أريد أن أنحني برأسي لمركز توازني حيث نمت جذوري لأول مرة , هناك سأجد نقطة توازن الكون وأتزن .

يا نقطة توازن الكون المتقلب , العنيف السقوط في معدتي الساعة , كفي عن التهاوي في دماغي , لأني متأكدة أنك تهوين بصورة وهمية في داخل رأسي المرتج لاغير , أما أنت فثابتة كوتد من أوتاد السماء , بحيث لا يدركك إلا الراشدون .
البارحة كنت أشاهد كوابيس ضالة وسادية العذاب , ورأيتني أقف على حافة الكرة الأرضية , وراقبت الأكوان والسموات تتساقط من تحتي , دخت وهويت هويت حتى استيقظت , سقطت من سريري وتهشم قلبي , و حطمت كف كوابيسي العاتية بقية شجاعة كنت أدخرها لهدف أخير راهنت عليه .

* _ روح نام يا صاحبي , شكلك تهذي .

_ لا أستطيع , النوم هو الذي يختار الزيارة في حالتي , ولذلك أدرت له ظهري من ثمانية عشر سنة , هكذا بظني تغري أحدهم بالزيارة , لكن أعترف لك أن النوم في علاقته معي عنيد متكبر , ولم تنفعني كبريائي في تحطيم كبرياءه , إنه يشبه صاحبي , الذي أضاع طريق العودة إلى عالمي ..

 

* _  أنا أبغى أنام والله , يا أخي أنت ” مابدك لتنام ” ؟.

_ ولكن , هل ينطقونها بهذه الطريقة التي نطقت بها , أم أنك تتكلف هذه اللهجة لتستهتر بي ؟.
لا أريد أن أنام , خذ وسادتي وألتحف بطانيتي , لعل دفء يأتي منها يشعل حطبا ً في جليدك , أما أنا فدعني أرتب الأشياء من حولي , دعني أختصر المهمات في ذهني , وأتخذ نمطا ً موحدا ً في أصغر الأشياء وأدقها , فهذا الشتات الحاد لذهني لا يحتمل أشياء جديدة , يجب أن أنمط كل شيء في آلية واحدة : طريقة إعدادي لقهوتي , كيف أستيقظ في الصباح ؟  نوعية المكالمات التي يستقبلها هاتفي , طريق موحد من البلاطات يجب أن لا أنحرف عنه باتجاه حمام غرفتي , ونبرة صوت واحدة لا تتغير لكي لا أراقب نوعية الأصوات التي تصدرها روحي  …
يجب علي أن أعلق عيني بمسمار تركيز , شديد الإحكام على هدف موحد في كل مرة , لأتوقف عن التشبه بدمية منزوعة العين للداخل ,  فلا تشاهد إلا ما بداخلها  .
وعلي من فوق كل هذا أن لا أغالي طويلا ً في هذه الحالة من الثبات ؛ حتى لا أتخشب أو يصاب معدني بالصدأ .

أدري متأكد : أن حطاب من البرية أغنى وأثبت من روحي , رغم أنه منفتح على الكون أكثر مني , لكنه منفتح بالطريقة الصحيحة , إنه منفتح باتجاه الظاهر من الكون , وأنا منفتح باتجاه الباطن من الكون , حيث تحيط اللزوجة بكل شيء , والعناكب نسجت خيوطها على كل زاوية  .

لماذا أشعر بأني مستهلك لهذا الحد , كجلد لأفعى استبدلته فأستوطنه النمل حتى أتى عليه ؟.

إني أوفر شجاعتي في كل ساعة من اليوم , وأجتهد أن أنشغل حتى ما أرى ملامح الضوء حولي , وتقلب الطقس في حياتي , لكن كل تلك المشاغل ليست كافية لتبديد اتساع الحياة في ضميري , والتي تضخمت بفعل ذلك العشق , ووجود ذلك النصف , حتى غدت أعمال حياتي القديمة غير كافية لسد رقعة الاتساع الروحي الذي أورثني إياه الحب ! , إن حيوات ثلاث لا تكفي لسد ما تركه نصفي من ثقب مشرع باتجاه الحياة والعاصفة .

أترحل داخل روحي حتى أشعر بأنني أشبه ما أكون بشيخ بدوي , لا يثبت عنده وتد , ولا يبرك بداره جمل .


أهش عن عيني ذبابة الضوء وأغمض عيني في محاولة عقيمة أن لا أتبدد كشعاع الغروب الذي أراقبه , فأسود خجلا ً من دموعي الحمراء وجعا ً , لكن الشمس الحمراء الضخمة التي أشاهدها من نافذتي تقتل كل أمل لي بأن أصبر , فأبكي وأبكي حتى تتكلم الأرواح من ثقوب جدراني وتتنهد ! .
تبا ً ! , كم روح مبددة في جدران غرفتي , تراكمت على شكل تراب حتى تشكلت بها طوبات شقتي ؟.


إنهم ينوحون بصمت وأنا أبعد ما أكون عن الهلع , أصافحهم بكفي وألمسهم بأطراف أصابعي , ثم أشتمهم بغيظ ممزوج بالكراهية : لقد انتهى وقتك في هذه الحياة أيتها الذرات المبددة من أجساد مترممة , وما بقية أجسادكم إلا شيء منفصل عن أرواحكم و لا علاقة بينكم . ولكنهم يستمرون بالنواح , تلك الذرات المبددة الغبية ! .

إني أحاول النوم أحاول النوم ياصاح , وشخيرك يغري بذلك , لكن طفل يتقافز في مخيلتي ويصرخ : لا تتركني هنا وحدي . فأحد له نظري وأجرجره من كفه وأذبحه .
سئمت من ماضي , سئمت من صورة الطفل في داخلي , سئمت من رائحتي , ورائحة الديار القديمة , ووجه عبد بيتنا وهو يسحب الماء من بئر منزلنا القديم وينز عرقا ً ولا يتكلم , ولا يشكو حتى بملامح وجهه , لأنه أخرس أكثر من وجه الماء الذي يضرب فيه بدلوه .

أريد أن أنام لكن النوم أعتى من صمت ذلك الأخرس , وهو يقطع الدار ألف مرة من البيت حتى الحقل , مابين طلبات أمي ووالدي دون أن يتذمر .

أمسك بكف نعاسي , دع موسيقى شخيرك ترتب لي سريرا ً ولحافا ً وطمأنينة عين لا تخاف الكوابيس .

 

***

 

* _ هل مازلت مستيقظا ً , ترعى خراف الأرق وتهش بعصا الكلمات حزنك ؟.

_ لا إنني أستنير بالبوح , أستنير بالاعتراف أمام وجه الفضيحة الفاغرة فاها , وأتغنى بجريمة تمردي .

لا عليك أنت , لا تقلق خلايا دماغك بمظهر بشرة عيوني , الملوثة بدوائر سوداء , ولا تبالي بالقلق وهو ينز من تحت أظافري وكيف أرتجف , لا تقلق من كل هذا , لأني سأحلق بي وأصبح بخير , بعد أن أمارس ماسوشيتي قليلا ً وأتقوى بوجعي .


أهو ماركيز ؟.
نعم ماركيز من قال في روايته عن تلك العاهرة , أن الطب الصيني لا يعالج الماسوشيين بتركهم يتعذبون بأيديهم ,  بل يعلمهم كيف يتركون الطبيعة تهذبهم بصمت حتى يتماثلوا للشفاء , فيعلمهم المشي على الرمضاء , والأحجار الساخنة , والنوم تحت الشمس , أما أنا فأعرض نفسي للطبيعة و أترهبن من فوق ذلك صامتة , أسير على رمضاء الظهيرة حافية حتى تتفطر أقدامي بحروق بليغة , وأجلس تحت شلالات الشمس حتى يغلي مخيخي , وأجوع أجوع حتى تأكل معدتي نفسها , ويخرج الدم من أنفي.
إني لست بحكمة هؤلاء الصينيون لأترك الطبيعة وحدها من تتكفل بتهذيبي , إنني أشارك في فعل ذلك , منذ أن كففت عن مراقبة الحياة ذات يوم , وغامرت في المشاركة في صنعها لعلي أصنع قدري .


أدرك أن اللامبالاة أحيانا ً تستبد بي حتى أتخذ زاوية وأسندها من السقوط لكثرة ما أشاهد دون حركة , وأقنعها أن تتفرج معي صامتة ولا تحدث فعلا ً , لتترك الدنيا تلهو بنا معا ً كيفما تشاء .
ياصاح , لو استندت بهمي على جبل لأنقض قبل أن أركن عليه بكليتي , وأدرك أنني لست الوحيدة في هذا الكون _ لست بلهاء لأحسبني المهموم الوحيد _ والتي تشعر بهذا .

البارحة كنت أفكر ياصاح , أن المرأة كلما اقتربت من الكمال بانت فيها التشوهات الأنثوية , وأصبح باديا ً منها ضلعها الأعوج بطريقة فادحة , ولذلك تبكي متفردات النساء بطريقة مريعة , تشبه حيوان ذبيح , يحاول أن يتجرع من الحياة نفس أخير .
أدرك تماما ً أنني أتكلم عن أشياء لا علاقة بينها ولا رابط , وأنني أحاول دراسة داخلي في زمن مستطيل , ويكفي ليتسلل لي النوم وأرتاح .

المرارة تحرق حنجرتي , تحرقها حتى تترمد , ولايصبح لي صوت , وآه ما أوجعني .

لا أريد شيء من الحياة , كل المرارة أنني لا أريد شيء من الحياة بعده , فالحياة كفت عن إدهاشي من بعد دهشته , والحياة كفت عن فتح نافذة جديدة لي مع المعرفة منذ أن عرفته , أنا التي ما كان يغريني شيء في الكون كالبحث عن خبرة جديدة , إنه نهاية معرفتي , لأنه السر النهائي الذي عندما تكشف لي , أصبح الكون أشبه بطفل يخبيء كرة خلف ظهره بحيث يمكن لكل من يجلس مقابله أن يراها , نفدت أسرار الكون بتكشفه لي , هو السر المطلق الرباني الذي عندما عرفته جيدا ً وعرفني جيدا ً غفرت لنفسي كل أوجاع الماضي وكل مصائب القدر .
ما أضيق الحياة والكون أمام اجتماع روحين واسعتين جدا ً وقد انفتحتا على بعضهما , إي والله ما أضيقها , أقلة في حقيقة رؤيتي ومعرفتي .

صدقني يا أنا ( مُرْعِبٌ أَنْ أُحِبَّكَ فِي مَوْضِعٍ هَشٍّ كَالعَالَم ).
مرعب لأني لا أستطيع ممارسة الحياة بعدك .
سيغمى علي الآن , فما عدت أرى الشاشة ولا أزرار الكيبورد , ومازالت الشعلة تلهب أصابعي وترتعش حتى ما تثبت أصابعي نفسها .

 

ويقول برنارد شو البغيض في فلسفة له يا أناي :
أقسى من ارتكاب الخطأ أن تكتشف انك لست من الأهمية بحيث يلحظ الناس خطأك .

وأنا لا أريد أن يلحظني أحد , لا هنا ولا في عالمي الحقيقي , ومع ذلك فإن أحدهم بالأمس لشدة غضبه أخبرني ( بأنني لا أعيش في هذا العالم لوحدي , وأنه لا حق لي أن أقلق العالم بصمتي وهواتفي المغلقة , وخاصة وأنا بهذا العزلة والمرض ) .
أما المرض فلست مريضة , هو محض عذر ليتركني العالم منعزلة بصمت , وأما هواتفي فإنها تعجز أن تأتي بصوتك هذه الأيام وإن كان شحيحا ً , وهاتف بلا إياك هو هاتف لا يستحق أن نهبه الطاقة ولا أن نشحنه .

أين أنت ؟ .
أما تدري بأن الدنيا التي لا تكون فيها تغدو بكتيريا وفطريات وعفن , وبوابة سأم مشرعة وللأبد ؟!
أين أنت ؟ .
أما تدري بأن العالم يضيق كثقب إبرة ويعتصر أضلاعي إذا ما تأخرت ؟ .
أين أنت ؟ .
أما تدري بأن الحزن يخلع حذائه على طرف بابي إذا ما تأخرت , ويدخل محدودب الظهر حاملا ً أثقاله كرجل صيني ليقرر أن يترهبن ويقيم حفلة شاي في جوفي  .
يمسك قلبي كوب شاي يتجرعه بجرعات ضخمة وإن ببطيء كاف ليدمر معمورة من الصبر والعزيمة , أما تدري ؟ .
الفرق أن قلبي حار يحترق , وهو يفضله _ الشاي _ بارد كوجهه .

أين أنت ؟
كيف تقضي ساعات نهارك , وكيف تنام ليلك , وهل تسعك الأرض بما رحبت , وهل قلبك سال ؟
أنا لا أسلو , والأشنع في حالتي أنني أدرك أن جزء مما أحببت فيَ : جلدي وعنادي وقدرتي على الصبر , وأني لست كالنساء لأكون ملتصقة بك كالهواء .
ولكن ما عدت أستطيع , أريد أن أكون عقلة من أصبع ليدك , شعرة عصية عن السقوط في صدرك , أريد أن أكون دما ً نفسا ً ترابا ً , ذرة غبار حتى ؛ لأزور عالمك .

ما أشنع هذا البعد الساحق الذي يفصلنا كمسافة ضوئية , رغم أننا لا نعدو أن نكون شفتين متلاصقتان بالصمت , جفنين يؤرقهما سهر , ويخيطهما وسن .
للحق أننا لا نعدو إلا شيء واحد , وإن استكبر الكون أن يصدق .
أنا ما عدت أصبر , وأعرف أنك _ بالذات وفي هذه الفترة _ لا تطيق أن تحمل عدم صبري إلى جوار عدم صبرك .
لا أريد أن أعود للعالم الخارجي فيسلبون ملامح أنسك من ملامح وجهي , ألا يدرون أنني كل ما تحدثت معك نمت مباشرة لتبقى آثارك في ملامحي , لا يبددها متطفل أو مثرثر , وإن كانت ذرات هواء غرفتي  ؟ .

يا الله جزعي عظيم يا رب ! .
لم لم تخلقني رجل لجواره _ أنا التي ما تمنيت تغيير جنسي قبله _ فأرافقه الدهر كله صديق يستأنس بالقرب والحديث والمجالسة ؟ .
يا رب تعلم أنني لا أريد منه شيء مما تريده النساء من الرجال , فلما جعلتنا جنسين مختلفين مالهم من النصيب إلا أن تتناجى أرواحهم حتى ينبت في قلوبهم نوافذ وأبواب , لها مع الموت في كل ساعة ألف مناجاة وصلاة ؟ .
يا رب انظر لي , انظر لي الساعة , انظر لي هذه الثانية من الدنيا , أخبر قلبي بشيء ما لأسلو أو أنسى … هل قلت أنسى ؟.
يارب لا أريد أن أنسى , كيف أستطيع نسيان من صليت إليك أثنا وعشرين سنة لتحضره لبابي ؟.
من ناجيت لأجله السماء والنجوم والقمر و ذرات التراب , وتوسلت للريح أن تحمل إليه رسائلي ليأتي ؟

ياعظيم السموات

ديسمبر 10, 2009

  

عطشان لو يشرب ماء الأرض ما ارتوى .

مشرد لو يصبح العالم حضنا ً ما احتواه .

.

.

يمد يده يتشبث و لا شيء , كل الدنيا هشة تنهار كقطع ( الفسيفساء ) أمام تشبثه اللحوح .

يا السموات , يا الأرض انطبقي عليه حضنا ً محكما ً ؛ ليكف عن الانتفاض .

.

مبلل رأسي من الداخل , مغسول قلبي باليأس , وفي ضميري ألف وتسعون خنجر من الندم .

والحياة تتمثل لي ثلاجة ضخمة للأحياء , تحتفظ بهم لقبورهم .

و مالنا من الحقيقة سوى نحن , ونحن أهش من فكرة واحدة مدمرة .

.

 يا حزن أمي وإن كان حزنها يفيض كأسه حتى ما يتسع شعورا ً بحزني .

يا ذل أبي وإن كانت سبابته مرفوعة بإتجاه السماء أبد الآبدين ولا تشعر بركوعي .

يا حزني وذلي وهشاشتي وضعفي وقلة حيلتي وهواني وفقر لغتي . . يا الله .

, يا من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء , اكشف ما بي …. لا حول ولا قوة إلا بك .

 

أنا لا أرجّي غير جبّار السماء و لا أهاب

                           بيني و بين الله من ثقتي بلطف الله باب                   

أبدا ألوذ به و تعرفني الأرائك و الرّحاب

                           لي عنده من أدمعي كنز تضيق به العياب                   

يا ربّ : بابك لا يردّ اللائذين به حجاب                   

                   مفتاحه بيديّ يقين لا يلمّ به ارتياب

و محبّة لك لا تكدّر بالرّياء و لا تشاب                   

                   و عبادة لا الحشر أملاها عليّ و لا الحساب

وإذا سألت عن الذنوب فإن ّ أدمعي الجواب                   

                   هي في يميني حين أبسطها لرحمتك الكتاب

إنّي لأغبط عاكفين على الذنوب و ما أنابوا                   

                   لو لم يكونوا واثقين بعفوك الهاني لتابوا

منهم غدا لكنوز رحمتك اختطاف و انتهاب                   

                   و لهم غدا بيقينهم من فيء سدرتك اقتراب

و سقيت جنّتك الدموع فروّت النطف العذاب                   

                   و سكبت في نيرانك العبرات فابترد العذاب

تنهل في عدن فنوّر كوكب و نمت كعاب                   

                   قرّبتها زلفى هواك فلا الثواب و لا العقاب

أنت المرجّى لا تناخ بغير ساحتك الركاب                   

                   الأفق كأسك و النجوم الطافيات به حباب

أنا من بحارك قطرة مّما تحمّله الرباب                   

                   ألقى بها بعد السّفار فضمّها قفر يباب

ألبحر غايتها فلا واد يصدّ و لا عقاب                   

                   يا دمعة المزن اغتربت و شطّ أهلك و الجناب

حثّي خطاك فللفروع إلى أرومتها انجذاب                   

                   حثّي خطاك فشاهق يرقى و موحشة تجاب

ألبحر معدنك الأصيل و شوق روحك و الحباب                   

                           و غدا للجّته و إن بعدت يتمّ لك انسياب                 

أنا لا أطيل إذا ابتهلت و قد تحدّتني الصّعاب

                        لا أشتكي و بمهجتي ظفر يمزّقها و ناب                   

مسح الحياء على الدموع و أكرم الشكوى اقتضاب

                         تكفي ببابك وقفة و أسى تجمّل و اكتئاب                   

 

خطيئة جماعية

ديسمبر 9, 2009

أصبحتهم السماء بمطر، حتى أهلكهم الطوفان .

وعلى شاهد قريتهم ، كتب كبير الحكماء لذلك الزمان: (إن كان صاحبكم قد انتحر, فقد صدقتم الكاهن, وإن حرمتم الغيث فلينظر أحدكم لخطيئة نفسه).

* * *

جلس في مجلس الرعاة يستمع لأسعار الشعير والأعلاف، وفي عملية هوائية بدأ يحسب: كم تبقى له من سعر قطيع الماشية التي باعها بالأمس؛ ليسدد بها ديون شعير الموسم الماضي؟ .

وحسب في عملية أخرى كم عليه أن يبيع أيضاً ليستطيع أن يأتي بشعير هذا الموسم ليشبع أغنامه؟

يالموجة الغلاء هذه -كان يفكر- متى ستنتهي؟

إن الأغنام ضعيفة للغاية، لن تُباع بسعر جيد، فكر بيأس أيضاً.

وفكر في المدينة، حلم يراود أحلامه منذ الصغر: هناك سأجد خيرا وفيرا…. لو بعت قطيعي وذهبت؟

لربما أنشأت تجارة ما.

انفض المجلس، وسحب نفسه لبيته الصفيحي عند الجبال، استلقى لينام إلا أن ذبابة مأفونة لم تكف عن الطنين عند أذنه، والتعلق بأرنبة أنفه.

مخنوق، فكر: أي امرأة تستطيع العيش في مزبلة الحياة هذه، وتشاركني حصيري؟ .

وأغمض عينيه، فجثم على قلبه وجع انتظار دام ثلاثين سنة، تمنى في ساعات محنها لو شاركته الفراش امرأة.

في الصباح أيقظته حرارة الفرن الصفيحي الذي نام فيه، وقد اشتدت الشمس عليه، تغسله بالنار من ساعات الصباح الأولى. غارق بالعرق قام، ولم يغتسل منذ ثلاثة أسابيع ماضية، غسل وجهه بالماء ونظر للشمس يفكر: ما الذي جئتِ تمارسينه اليوم؟ .

وشعر بأن الوجود يعاديه فشمر عن ساعده المفتول، وقال لنفسه: ولكن سأقاتل.

وإذ كان يمشي والسموم على أشده تذكر أحاديث الرعاة بالأمس: (الجو حار غداً والعاصفة قادمة، هكذا تقول النجوم الليلة)… لكنه واصل المشي خلف غنمه، مستمداً عزيمته من الشمس، تلك التي لم تكف يوماً عن تحديه وهي تصلي أجسام أغنامه فتقتلها من العطش، دون أن يستطيع توفير مكان ظليل لها.

كانت أغنامه تنزوي يميناً وشمالاً بحثاً عن الظل؛ فحوت بعض غنيمات له في ظل الجبل من الشمال، وتبعتها بقية الغنم. اشتد يطاردها، محاولاً منعها من المكث هناك، وأصر عليها وهو يلهب أجسادها بعصاه: هيا للمرعى، تباً ليس لدي ما أطعمه لك، تباً خذي رزقك من الأرض… لكن الغنيمات ما تقوم قليلاً إلا لتعود.

كان المدى صحراء، ولم يكن في تلك البقعة من الأرض سوى رمال تتوسل للشمس أن تكف عن ممارسة وجودها العنيف على كيانها، وتحاول ترتيب هدنة لعل الشمس أن ترحم.

 شتم الراعي أغنامه بكل ما وجد في قاموسه من شتائم، ثم استظل بالجبل إلى جوار معزته المولودة حديثاً، وهو يظللها إلى جوار بطنه! .

***

ثلاث سنين مرت والقحط لم يغادر قريتهم، وأبت السماء أن تغيثهم، ولا الأسعار كفت عن الارتفاع.

وفي ذات صباح حل البشير بالقرية، وتنبأ منجمهم: غداً يموت فيكم رجل مشؤوم وإذا مات جاء الخير ونزل المطر!  .

 القرية منذ أسبوع تتناقل قول الكاهن، وتشير بإصبع اتهام ينتقل من رجل إلى رجل، والموت في كل يوم يحصد رجلا جديدا، ورغم ذلك لا ينزل الغيث.

يكرر شيخ القرية، وخلصاؤه من الرجال العودة للكاهن، يتوسلون له: أما ترى ما فينا من النصب، أخبرنا بالمشؤوم نقتله. ويرد الكاهن قولهم: لم تخبرني النجوم بصورته، غير أنه يموت قريباً.

يزمجر شيخ القرية بحنق مكتوم: في كل يوم تقول لنا يموت من الغد الرجل المشؤوم، وها نحن في اليوم السابع وما نزل المطر.

وتابع أصحاب الشيخ غاضبين: ومات رجال كثر طوال سبعة أيام وما نزل المطر.

أجاب المنجم بحزم: لم يكن فيهم رجل مشؤوم، ولكن ساعة صاحبكم قريبة، هكذا أخبرتني النجوم. يدفعون له أحد معيزهم -أهزل من سابقاتها- ويخرجون، ثم يوزعون للمنتظرين في الخارج من أتباعهم: أمل جديد حازم.

* * *

أسبوع ولم يسمع البشارة، جف جلده، وبرزت عظامه، والشمس ما زالت تبارزه كل صباح بألف سيف مسلط!  .

فلما هدأ الأمر وافتقد الرعاة صاحبهم، ذهبوا إليه، فوجدوه جاثياً على قدمه إلى جوار معزته الصغيرة بالأمس والتي شاخت فكانت آخر قطيعه موتاً، في يده سكين ملوثة بالدم، وعيناه شاخصة نحو السماء. لم يتحرك لاستقبالهم، وعندما هزوه بعنف، صرخ: يا سعيد، جعنا أسبوعاً وما كان لي ولها إلا سبعة أرغفة، تقاسمناها سويةً حتى الرغيف الأخير، كنت جائعاً بشدة -وذب عن وجهه الذباب، وفاض دمعه- فأكلته وحدي وذبحتها.

هام بنظره بعيدا وقال لنفسه بصوت لم يسمعه سواه، وكأنه للتو يكتشف هذا: ذبحت حبيبتي!  .

نظر لصاحبه مستعبرا ً : يا سعيد ماذا يفعل الراعي بلا خرافه؟ .

نحر نفسه مستبقا ً وصول يد أي رجل منهم ، وقبل أن تنزل دموعهم أسى على كبير مصابهم به، نزل المطر! .

.

فلاشات تحت الماء .

ديسمبر 9, 2009

 

 

 

 

 

1

عشرون سنة وهي تقرأ ( ظهر الفساد في البر والبحر ) وتتبعها بالقول : ربي لا تجعلني منهم , اجعلني ممن يحاربهم .

و و لدها يضحك : أمي كيف تحاربين وأنت مقعدة ؟ .

قبل العيد بيومين خرجت بكرسيها سلاحا ً, وكُتبت من الغارقين ! .

2

 نامت وهي تفكر بإعياء: أعلي الموافقة على رفع الأجهزة ؛ تاركة ولدي و الموت ؟

كثر من الناس أفاقوا من غيبوبتهم بعد سنين … فلعله يقوم .

الأربعاء حل السيل الإشكالية ! .

3

خطط أن يصبح ثريا ً , و إن أضطر لقتل والده , أخوته , وأمه .

حقق العيد أمنيته , مضاف إليها خمسة ملايين ريالا ً ثمنا ً لوحدته و غرقهم .

 4

 عاطل .. يتسول بمواقف الإشارات , و يتوسل لله أن يرزقه عملا ً و إن حارسا ً لمتجر .

الأسبوعين الماضيين لم يستطع أحد الدخول لأكبر متاجر حي ( القويزة ) , كانت العفونة تُقفل المدخل .

إنها جثته .. متحللة تحت الحافلة , المسحوبة بالسيول لهذا المكان .

 5

يحاول كل يوم من أيام دوامه إيجاد طريقة ناجحة ؛ لدخول مكتب المدير وإتلاف الأوراق المُدينة لاختلاسه .

مرت السنة عجلة , سيُشهر به لا بد , فبعد أيام سيكون موعد جرد الحسابات السنوي .

غير أنه سجل خطة لحرق مكتب مديره , مقررا ً تنفيذها ساعة انشغال الخلق بالعيد .

سبحت جدة في سيولها _ قبل موعد كارثته _ والأوراق التي ترعبه .

كانت فرحته كاملة , لو لم يغرق ! .

 6

 بدر و مؤيد رفيقا طفولة , خرجا يوم الأربعاء ؛ ليسجلا آخر قصة مصورة لكتاب الأطفال , المُعد لموسم الربيع , الأجواء توحي بمولد أقصوصة مختلفة , اقتنصتهُما بصنارتيهما , وسجلتهما قصة غرق ! .

 7

 القصة الفاشلة تتكرر .. أسبوعين من العمل الدؤوب لم تكفي ليدفن القاتل أخيه , و مازالت  المفارقات  ممزقة في تجاويف جدة .

.

انسانية على المحك

نوفمبر 12, 2009

إنها ليست المرة الأولى التي يزور فيها القحط بلادنا ضيفا ً ثقيلا ً , ولا هي المرة الأولى التي تجف الأرض في وطني حتى تتشقق بحجم شقوق زلزالية , وتتساقط الطيور من السماء! .
لكنها المرة الأولى التي تقف الحرب في طريقنا , فتمنعنا نحن أهل المدن الساحلية من اعتلاء الجبال , والذهاب حيث بلاد الجنوب .
وبلاد الجنوب هي الأرض التي نتأخذها زادا ً , و مسارح تسول إذا ما أشتد بنا الجوع وأنهكنا القحط .
هم أغنياء هناك بالمطر والزراعة والماشية , ونسائهن جميلات حتى لكأنهن ملائكة تمشي على الأرض , فيهن بياض أهل الجبال وطولهن الفارع .
كانت آخر امرأة جنوبية شاهدتها , قبل ثلاثة سنين من الآن , وقتها كنت فتى في الخامسة عشرة , وكنت أراقبها وهي تضع قربتها فوق رأسها , لتبدو أكتافها من تحت ( شملتها ) , وأفتتـنت بقوتها ونقاء بشرتها , وذلك البياض الذي لم يكن مألوفا ً لساحليتي .
قال لي أخي حسن يوما وهو يراني أراقب احداهن : غض بصرك , ألا تخجل ؟.
قلت له بنزق : ولكنها ليست من ديارنا .
اندهش وقال لي : إذن ؟.
قلت له : إن على الرجل ( الأجودي ) أن يغض بصره فقط عن نساء قبيلته .
شدني بعنف من ذراعي , وبدأ يصرخ بي : هيا اذهب أيها الأحمق للحصاد , إننا لا بد ذاهبون بعد شهر من هنا , و ما أتينا إلى هنا لينبذنا هؤلاء البشر , أو نكسب عداوتهم .
والحق أنني لم أجد أي فرق بين أن ينبذنا هؤلاء البشر أو يتقبلوننا , ولا بين أن يرونني رجل شريف أو حقير , فلقد كنا بالنسبة لهم لا نختلف عن الكلاب المشردة أبدا ً .
كنا نعيش كالغجر بينهم , ففي الوقت الذي كانت بيوتهم مبنية بالحجارة , كنا نبني بيوتنا إلى جوارهم ( عششا ً ) صغيرة كما كانت بيوتنا في السواحل .
وكنا نتقاسم طعامهم مع أبقارهم , وكانوا يلاحقوننا غاضبين بالبنادق , كلما اكتشف أحدهم أننا نسرق طعام ماشيته .
إن كل هذا من الماضي الآن , أما أنا وقبيلتي فمسجونون هنا اليوم , وأي ذل كان ليصيبنا في الأرض الجنوبية تلك , لا يعدل هذا الكبد الذي نعيش فيه هذه الساعة .
أمي ماتت قبل أسبوعين , كان جسدها أرق من أن يحتمل المزيد من هذا الجوع , ورغم أن أختي مريم وضعت لها القليل من الحليب , الذي أحضرته من جارتنا فاطمة , وبعض قرصان الخبز التي صنعتها جدتي , إلا أنها رفضت أن تأكل .
قالت بغضب : إنني لابد ميتة , ولن يرد هذا الطعام إلي روحي , فلتأكلوه أنتم .
لسبب ما _ رغم أنني لم أرد أمي أن تموت أبدا ً _ فرحت بأنها أبقت الطعام لنا . بالتأكيد توسلنا لها كثيرا ً بأن تشاركنا الأكل أقلة , لكنها كانت تعلم أنها تحتضر , كما كانت تعلم جدتي بذلك , والتي بدأت تضع ( طرحتها ) في فمها , لتكبت نحيبها , الذي كان لا يجب أن نسمعه , لتموت أمي بعد ساعة من رفضها . كانت يدها أيبس من قطعة طوب , وفي شفتيها قحط عمره ثلاثة أيام , لم يكن ليبلله ماءنا الوحيد الملوث .
لمت نفسي كثيرا ً على تلك الرغبة الخفية التي أسررتها في نفسي : بأن تترك لنا بعض الطعام أمي . وشعرت كثيرا ً بأنني قتلتها دون قصد برغباتي القاسية تلك , وأنها لا بد رأتها في عيوني , ببصيرة أم ولذلك امتنعت عن الشبع .
وقرصني ضميري كثيرا ً لأننا بعد موتها مباشرة , جلسنا حول سفرة صغير نأكل , أنا وجدتي وأخي حسن وأختي مريم , ونبكي في نفس الوقت .
ثلاثة أيام أغبرت ونحن لم ندخل طعاما ً لجوفنا , وهكذا كانت تلك الجثة الميتة إلى جوارنا لا تمنعنا من أن نسترد الحياة , ونقاوم الموت الماكث قريب منا . بل إن هذا الموت المحيط بنا _ متأكد _ هو الذي عجل في إذكاء رغبتنا في الحياة والأكل ! .
بعد ثلاثة أيام من موتها توقفت عن لوم نفسي , لأن الأيام الثلاثة تلك كان كافية تماما ً ليتوقف الإنسان عن الشعور بكل شيء , ونحن نرى جثة أو اثنتين تخرج من كل بيت .
حاول الناس الزراعة , وأصبحوا يحضرون الماء من البحر القريب ويسقون بذورهم , لكن الأرض لم تكن لتثمر , بل إن الملح هو الذي كان يتكون , ويقتل حتى حشرات الأرض الباقية , والتي كنا نتناولها في محاولة وحيدة للعيش .
أما مجنون القرية ( علي ) فقد شرب من ماء البحر الذي جاءوا به حتى مات , ورغم أن كل من هناك حاول منعه , فإنه كان يجد طريقته إذا ناموا ليشرب ! .
والبعض منهم قلده لما رأى أن علي مات موت رحيم , سريع وفتاك العطش , دون أن تُفيد نصائح شيخ القبيلة في ردعهم .
أختي مريم ولدت بعد موت أمي بشهرين , ولم تتمكن من الفرح بذلك المولود , لأنه كان قد فارق الحياة مختنقا ً بماء الرحم , ولم تكن هناك أي ( داية ) يمكن أن تسعفنا بخبرتها فتنقذه , ولأن مريم فقدت ابنها , وزوجها الذي غادرنا منذ ثمانية أشهر في سفينة بحرية , لا ندرك مصيرها , وأمي من فوق ذلك , فقد كفت عن الكلام والضحك .
جلس حسن يواسيها لأجل ذلك الطفل , لكنها ردت بصرامة : أحسن له , يجيء عشان يموت بعد أيام من الجوع ؟.
فسكت حسن , وبدأ ينكت تراب ( العشة ) بغصن صغير في يده , ويفكر .

مرت أيام قليلة من النفاس , ثم تحاملت مريم على نفسها وأصبحت تمشي , وتزور جاراتها , أما لتواسيهن في ميت أو تتقاسم معهن طعام , أو تتطبب مريضة تحتضر .
كانت مريم رحيمة جدا ً , وكان كل من في حينا يعتبرها أجمل نسائه وألطفهن , وهكذا ما كانت تعود بيدها خالية الوفاض , من بعد كل زيارة .
في كل يوم كانت مريم تحضر فيما تحضره معها : طاسة من الحليب , وتضعها بين أيدينا , ولما كان أخي حسن يسألها : من أين لك هذا ؟ لا تجيب .
كان حليب له طعم مختلف , ولا يشبه أي حليب نعرفه , وبعد أيام اكتشفنا أن مريم تحلب لنا صدرها ! .
كان اكتشاف عابر تعمدنا تجاهله أنا وحسن _ ولم نفكر به حتى بين أنفسنا _ ونحن نمر بها ذات يوم من خلف ( عشتنا ) لنلاحظها دون أن تنتبه لنا .
واستمر الحليب كافيا ً لنا ليبلل كل واحد منا حنجرته , ثم إنه قل جدا ً , حتى انقطع .
ولأننا كنا أيتام , نحاول أن نعيش في مجتمع كان يساعد فيه كل جار جاره ؛ ليستمر لأيام , فقد كان يأتي لنا كل بضعة أيام مايقيم أودنا , وإن انقطع حليب مريم .
إن تأخير الموت أصبح هواية لنا , تحت أمل وحيد بأن يأتي المطر في الغد , ونستمر .
ولكن حسن القوي أصبح غير قادر على المشي , ثم إنه بدأ يمتنع عن الطعام , وكانت مريم تبكي عند رأسه , لتتكلم أخيرا ً متوسلة له بأن يبقى بضعة أيام أخر .
هدهدته في حجرها طوال ليلة كاملة , وهي تغني كمجنونة فقدت عقلها : ياحسن غدا ً يأتي المطر , ياحسن غدا ً يأتي المطر .
وعندما أصبح يغرغر إلا قليل , أمسك بيد مريم وقبلها حتى بللها بلعابه , وهو يتمرغ بها , وكرر على مسامعها كثيرا ً : اغفر لي يا أختي اغفر لي , دون أي كلمة أخرى .
حاولت مريم متوسلة أن تلقمه ثديها , وأقسمت عليه : قد تجد شيء فيه , غير أنه  نفر بوجه وقال : اغفري لي اغفر لي .
أما أنا فخرجت دون أن أقوى على شيء , وصرخت بالسماء : أنا أكفر بك ! .
وفي تلك الليلة نفسها التي مات فيها , جاء النذير يستصرخنا : يا أهل الوادي , قد جاء السيل من الأعالي , فلينجو كل منكم بنفسه .
كانت الأمطار لا تتوقف عن الهطول منذ أسبوع , في أعالي الجبال , وماوصلنا المطر إلا سيلا ً يجتاح كل ما أمامه , ويغرق بيوتنا ومواعين لنا , وبقايا يأس قد توطن قلوبنا .
وسُمي ذلك السيل الكبير ( بسارح الإثنين ) لأنه أصبح الناس في يوم اثنين , يوم كان قاس أيضا ً, ومات فيه الكثير .
إن كثير من أهلي _ الذين تمسكوا بالحياة رغم القحط _ أخذهم ذلك السيل في مجراه , لكنهم أبدا ً لم يكونوا بعدد الذين ماتوا في تلك السنين العجاف .
إنني سعيد , هذا هو اسمي , وقد عشت لأروي , ولي عشرة من الأبناء الآن يعيشون ببذخ , ولا يعرفون عن الموت والقحط شيء , وإذا ما حكيت لهم حكايتي هذه ظنوها خرافة .
وذلك السيل لا أدري أكان رحمة أم عذاب ؟.
لكن كثير من الناس رأوا فيه كما رأيت : عذاب مرحوم , جاء لنعيش نحن ونروي , ويكون لي أخت مجنونة اسمها ( مريم ) , و ليموتوا هم ويتخلصوا من حياة كلها كبد .

ملهاة بشرية

نوفمبر 12, 2009

 

 

استهلال :
 

تنظر للأشياء نظرة المزهو بالمعرفة , وتعتقد واثقا ً بأنك وصلت لغاية الدهشة التي تسربها التجارب للبشر , وأن أي شيء قادم ماهو بقادر أن يسقيك ماء الحياة ودهشتها .
تظن أنك كبرت , نضجت , واكتملت معارفك ؛ فتأتي لك الصفعة من حيث أنت غافل , فتلقنك دروس مختلفة من المعايش التي غفلت عنها حكمتك , ثم تعرف أنك من الناقصين .

” عيد ” هو اسمي , شخص من هذه الإنسانية , أشكل فرادة من جنسي , كما يشكل أي شخص آخر فرادة انسانية , ونسخة لا تقلد … بالرغم من أن كل شخص يظن أنه النسخة الصحيحة السليمة في مصنع القدر , وبقية النسخ الأخرى مضروبة في جانب منها على الأقل ! .
جئت في يوم عيد فتيمن قومي كعادتهم , و خلدوا عيدهم بمنحوتة بشرية هي أنا ! .
تزامنت صرختي مع فرحة الدنيا , فاستمرت الحياة _طوال حياتي _ تضحك وأنا أبكي , والناس يفرحون وأنا أحزن .

وأنا الآخر كانت لي عاداتي الغريبة كقومي , وماكنت بعيدا ً في هوسي بالتفاصيل عن بودلير المفكر الفرنسي صاحب العادات الشاذة , وهو يحصي النوافذة المضاءة كل ليلة , ويقارنها بعدد النوافذ المظلمة في مدينته , وعلى أساسها يتفاءل أو يتشاءم , فأطلقوا علي اسم المعتوه .
فقد انشغلت دائما ً بتأمل أشياء لا تستلفت انتباه عاقل , وقال الأطباء بأني مريض توحد , وأني قد أكون عبقريا ً متوحدا ً ككثير من العباقرة , ورغم أقوالهم الطيبة عني فإن البشر ما توقفوا عن معاملتي بصورة المنبوذ , فأنتبذتهم , وتسلقت مجدي الذي أعتقد , غافلا ً عنهم وعن مايريدونه لي .
عجبا ً لقومي أدهشهم أنا كفرد , ولا تدهشهم أنفسهم كجماعة لها عاداتها المجتمعية الشاذة ! .

وهكذا لم تكن الحياة مغرية لي , ولا كانت معائش الناس تستلب اهتمامي , وكنت أقضم ساعات أيامي ؛ لأعجل من إمضائها دون أن أصبح معتوها ً في مرآة نفسي أيضا ً.

طوافا ً قضيت سنواتي الأخيرة أبحث عن حكاية , وقطعت الفيافي , والبحار منتقلا ً من حضارة لأخرى , أستمع لأساطير الشعوب وحكاياتهم , ثم إني توقفت في اليمن , وهناك راق لي بيت حجري يتخذ قمة جبل مقعدا ً له , كان منفردا ً يحارب الريح وحده , وفي ثقوب جدرانه تختبيء ملامح أقوام كثر , غافلهم الزمن ففتك بهم .

واليمن دولة يستعذب شعبها الخرافة , ويعيشون على تناول الأساطير لقيمات مع طعام موائدهم .
ويعرف طفلهم عن السحر ما يعرفه عجوزهم , ولديهم كل الوقت ليستلذوا بثواني الحياة , دون تسرع أو عجل .
كان شعب يليق بي , وبتمهلي , وبلا مبالاتي , وكان الوقت بالنسبة لهم كـ تناولهم لعشبة القات , لا بالأهمية , بل بالتروي , و هم يتفننون تسريبه في مشاغل لا يراها بقية الخلق مهمة .

إنهم شعب عظيم , شعب عظيم يليق بالأحلام ويشبه الجنة .
والجنة زمن ممتد لا ينتهي .

بحثت عن صاحب تلك الدار لأشتري منه داره , وسألت كل ساكن اقتربت داره من تلك الدار التي أعُجبت , وبمجرد سؤالي لأحدهم كانت غيمة سواد تحل بوجه , صمت ثقيل , وكان يفقد مرحه المعتاد عنهم .

طفل صغير تبرع لي بحكاية القصة , وأخبرني أن تلك الدار مسكن للجان , وأن لا انسان يعرفونه قد امتلكها .
آخر ساكن لها رجل أخرس درويش , غريب لا يعرفه أحد , عاش فيها دهرا ً من الزمن , ثم اختفى هو الآخر فجأة .
البعض يقسم بأنه عفريت هو الآخر , والبعض يؤكد بأنه مجرد انسان قد اهلكته الجن أو اختطفته .

أما تلك الدار فمنذ مئتي سنة ماكفت عن إزعاج أهل الوادي الذي يقع تحتها , بصراخ يشبه امرأة تلطم وتنوح , لدرجة أن البومات والخفافيش ترتعب مبتعدة عن الجبل كلما بدأ الصراخ بالإنطلاق .

احتد الطفل وتكلم غاضبا ً : أجدادي وأبائي وربما جيلي , لن نكف عن ذبح خرفان مزارعنا , فداء لأنفسنا وأراضي حقولنا , وبقية ماشيتنا من شر سكانها .
أستبد بي الفضول فأرتقيت الجبل , وحططت رحالي بها وقررت سكناها .
صليت بها العصر , وقربت دواتي , وأقلامي المصنوعة من قصب فاخر , ثم استنارت روحي تكتب.

 

المذكرات 

 الخميس :

البشر حالتان عبيد وسادة , وأنا سيد , لأني غني عن الناس , غني عن الحياة .
والسيادة كلها في الترك , فكل متروك رخيص , وإذا ماتركت الحياة ركضت خلفك , وتمسحت بقدمك ككلبة تحترف بيع وفاءها ! .
أيتها الكلبة أنا أركلك لأني غني بتشردي عن إيواء تشردك , وغني النفس عن الكون وبشره بواحد , وهذا الواحد الذي أعني هو الله .
والبشر عبيد وسادة , وأنا سيد لأني اخترت حريتي , وهم عبيد لأنهم لا يعرفون حقيقة الحرية . 

الجمعة :  

لم هذا اليوم ثقيل كالإثنين ؟
ولم الإثنين ثقيل كالجمعة , غارقان بالقيظ , مؤلمان , ويشبهان البؤس , وهما قادرين على مضغ نشوة أيام الأسبوع بفكي ضجرهما ؟!.
ها أنا ضجر أسير في ربوع اليمن يتجنبني الناس كأجرب , مطأطيء الرأس لا تدفعني الوحدة للحديث لهم , ولا تمنحني حتى الرغبة بمراقبتهم , والشمس الشرقية تشتد في السماء عمودية , وتستمرئ إلهاثي ككلب مشرد .
أقف بعتبة بابي , وأشعر أن لا قدرة لي على اقتراف عشرة خطوات أخرى ؛ أصل بها إلى الماء في منتصف حوش منزلي .
أسقط على ركبتي وألهث بفداحة , ويعزف في قلبي ألف طبل أفريقي .
إنني على حافة الموت لا بد ! . 

السبت : 

مازلت أعيش , لكن الحمى تنهشني , وأهذي , و لولا أن روحي تحلق خارج جسدي, فلا أسمح لمرض جسدي بأن يلمس شجاعة روحي لهلكت .
إن الإنسان لمخلوق ضعيف يالله , وإن المرض لقادر أن يجعل من أعتى الرجال طفلا ً يبحث عن آمان أم .
من أمي في هذا الدنيا , ما اسمها , وهل هي جميلة كنساء اليمن اللاتي أرى ؟.
إني غني , إني غني , إني غني , يجب أن لا تنسى هذا أيها الإنسان الذي بداخلي .الأحد :مرضى البشر يجب أن لا يمسكوا القلم كتابة ً , فكيف إن كانوا من فوق أمراضهم متوحدون ؟
عالج نفسك بالصمت , ولا تفكر , و تذكر أن الكتابة فوهة مفتوحة على جهنم , وجهنم هي روحك , والروح المشردة لا يمكن حبسها بمقدار قلم , أقلة والجسد مريض , إنها تهلك الصفحات وجسدك.إذن صمت !.الإثنين :يشبه الجمعة , وفي الجمعة مرضت , ولعل الشفاء يجيئني في مساء الإثنين .
إذن صمت .
.
.
_
وبعد دقائق _

هاهو صمتي متعثر بالهذيان والكوابيس , ولذلك هو صمت ناقص .
أتقلب على فراش قرحني ؛ لأن روحي تتقلب شرسة متكلمة , وما في روحي من العذاب سوى همة لا تصل , يال الهمة كم تعذب الأرواح الكبيرة .

الثلاثاء :

لقد خرجت اليوم ومشيت متعثرا ً , لكن بقدم تسير للشفاء , كان الوقت عصرا ً, والطبيعة تلبس اعتدالها , و انتعشت .
إن الغروب لصورة بالغة من حزن الشمس , ومالشفق إلا دماء عيونها , سكبتها بشفقة معتادة , وهي تترك بعض ابنائها للظلام , لتبدد الظلام عن ابنائها الآخرين .
وكلما نظرت للكون رأيت فيه صورة الإنثى بينة , والأمومة هي الرحمة السابغة التي تحيط بالكون , فتمنحه شجاعة الاستمرار .
إني إن أتزوج فلن أفعل هذا لحاجات جسدي , بل لأهب امرأة “ما” الأمومة , ثم أجلس مراقبا ً أمومة الكون في أمومتها .
يارب السماوات السبع أجعل حمامة تحط على نافذتي , وأجعلها تمارس أمومتها فوق رأس تأملي ؛ فإني ما أطلب من الحياة سوى متعة تأمل شيء كهذا .

الأربعاء :

أصلي ..

الخميس :

 أتمشى في أسواق الناس , أبحث عن رجل يستخدمني , ويمنحني أجرا ً على عملي كفاء يومي من المأكل .
أما الماء فالجبل يجود به علي إلى حوش منزلي , وأما المسكن فقد أصبحت دار الجن مسكني , ومالرزق إلا من عند الله وأنا من المتوكلين .
لقد قدم لي أحدهم (مسحاة) وأخبرني بأن علي أن أقلب الأرض , أي أشتغل مزارعا ً , وقد وافقته , فلا أجمل من أن أرى الأشجار وهي تنمو برعاية الله مسكوبة عبر يدي .
يكلمني طفل مستخدمي , ويشتد في إصراره , وهو يحاول أن ينطقني كلمة واحدة , أرد بها على فضوله فأخبره من أنا .
يسألني عن جنيات الدار الذي أسكنه , ويسألني إن كنت انسانا ً أم عفريتا ً , وما أرد عليه سوى بابتسامة , وكف تطبطب على كتفه , وأنصرف أعمل .
يصرخ به والده : دعه فإنه معتوه وأخرس .
فيحصبني الطفل غاضبا ً ويهرب , متخذا ً من جسد والده ترسا ً.
إن الإنسان لعدو مايجهل , فهذا الصغير حصبني بالحصى , أما والده فقذفني بالكلام , لكنهم ضعفاء بجهلهم , وأنا قوي بمعرفتي .

 

.

لا أدري ماليوم , لقد كف عقلي عن كونه ( روزنامة ) أيام , يسجل التفاصيل لكل لحظة , ومالديه من الهموم إلا إدارة الأصابع عمالا ًيخلدون أفكاره على ورق .
إنني الآن رجل عامل , أخرج من منزلي قبل شروق الشمس , ولا أعود إلا في المساء , حيث يكون جهدي أضعف من أن يمسك قلما ً ويسجل .
والأصوات استحالت في المنزل عنيفة ومضجرة على غير العادة , وتجعلني لا أنام , أنا الذي كنت أستعذب هذه الأصوات وأجدها أنيس وحدتي , وكأن أذني قد ألفت ضجيج البشر واستنكرت أصوات منزلي .
إنهم يضحكونني هؤلاء السذج من الناس , وهم يظنون أن خلف أصوات منزلي عفاريت ! , ولكنه ظنهم وجهلهم , والجهل مأساة البشرية ونقطة ضعفها المهلكة .
.
اليوم عاد ذلك الطفل المشاغب , طفل مستخدمي وعاند والده ليقترب مني , وفجأة دس يده الصغيرة في يدي , تاركا ً قطعا ً من اللوز تمرح بين كفينا , ثم نظر إلي ليرى ردة فعلي , وفي عينيه لهيب من الشوق .
لا أدري حقا ً ما لذي قد يشوق طفل صغير إلى معرفتي ولمس قلبي , غير أني ابتسمت , و انحيت عليه وقلت له : شكرا ً , ثم إني شددت على يده وقلت له : هذا سر .
فالتمعت عيناه بوعد كبير ولم يتكلم .
هذا الطفل تغير كثيرا ً عن أول أيام لقائي به , فقد غدا صموتا ً و يراقبني , وفي روحه مناجاة لا تكف عن الإبتهال في معابد قلبي ! .
لقد خرجت عن حريتي اليوم , وتكلمت , فأفسدت الوعد الذي قطعته على نفسي بأن أتخذ الصمت صلاة شكر لي أبد الدهر .
مالذي جعلني أفشي بسري لهذا الطفل , وأريه بأني لا أفتقد حنجرتي ؟
ليست الرحمة هي دافعي , أبدا ً , فلقد شعرت لوهلة خاطفة بغروري الإنساني , وقد رغبت بأن أخبره أني غني بحنجرة كهو ! .
مالذي كنت أسعى إليه ؟
هل أردت أن أخبره بأنني قادر على الكلام وأن هناك أمل بأن أحدثه مرة أخرى ؟
ولكن هذا هراء , أنا لا أستطيع الإيفاء بوعد كهذا فالكلام يأكلني , ويتركني جسدا ً خاويا ً أشبه كل الأشياء الخاوية في الحياة .
أما كان يغنيني من القرب أن روحينا تتناجى صامتة ؟.
إنه طفل , ولديه أحلامه الجميلة , وبه ذلك الولع تجاه التعلق بالأشياء , فلم لم أردعه بصمتي وأنا أدرك أني أقل من حلم يراه في مخيلته ؟ .
لم كان الصمت في تلك اللحظة أضعف من أن يصبح مطية شكر , وهو ذكي وكان ليفهمني ؟ .
إني خاسر إني خاسر , وعقاب الخاسر أن يتناول ماخسره بأشد الطرق تشبعا ً , وهكذا فإن هدية خسارتي كسر قلمي .
سأصمت حتى عن البوح لورقة .

.

 

الشهر الأول :

أصلي صامتا ً .

الشهر الثاني :

صمت .الشهر الثالث :صمت .

الشهر الرابع :صمت .

الشهر الخامس :صمت .

الشهر السادس :صمت .

الثلاثاء :

لقد انقضت السنة وأنا صامت , لا يتهجأ روحي قلم , ولا تخفف عني ورقة , وياله من جفاف روحي عظيم هذا الذي منيت به .
إنك إن تصمت لهذا الحد , تفقد حتى التواصل مع روحك , فتتفطر , أدرك أني طوال السنة كنت زائغ العين ولا أستطيع أن أثبت روحي على شيء أفكر به , ولا أن ألتقي بعين أحد دون أن تتحاشاه عيني , لقد توحشت , والوحشة الصامتة كليا ً تفقدك القدرة على قراءة ملامح البشر , والقدرة على النظر لنوافذ أرواحهم , لأنك لا ترغب بأن يكتشفوا قفار روحك , بمحاريث تأملهم وهي تقلب أرض عينيك .
إن عيونك المثبتة بمسمار الصمت على لوح روحك من الداخل , قد تماثلت مع عيني ذئب , ويالك من ذئب شرس ! .
لقد أرتعدت بنت مستخدمي وهي تقدم لي طعام العشاء الليلة , بعد أن منعني المطر من العودة مبكرا ً لداري , وقالت لي بشراسة خائفة : لا تنظر إلي أيها المتوحش .
الحق أقول لكم أني ماكنت أنظر لها كما ينظر الرجال للنساء , فقد كانت شهواتي خابئة , وروحي فاترة وقد أطفأتها لسنة كاملة .
ولكن كنت أنظر لماء الحياة وهو يتدفق فيها , على عكس ماء الحياة الغائر من وجهي , وأدركت أن صمتي الذي أعذب به نفسي إنما هو صمت مريض , لا صمت حكيم .
لقد قسوت على نفسي كثيرا ً , وأنا أصمت بهذه الحدة القاضية وأكف عن الكتابة حتى لكلمة ( صمت ) أتبعها الستة الأشهر الباقية من السنة ! .
لقد أدركت أن كلمة ( صمت ) التي أكتبها خلف كل شهر هي حديث ثرثار , وكانت كافية رغم توحدها بأن تسقي نبت روحي بماء السلوان , لأن الورقة ساعتها ستدرك أي وجع قاحل يعصف بي .إني أبحث عن وسيلة صمت حكيمة , ولا بد أن أتامل , حتى أجد غايتي .

الأربعاء :

طفل مستخدمي أصبح صديقي , إنه يحضر لي حيوانات الوادي والطيور التي قنصها , ويشويها معي كل يوم , ولقد كان هو القشة التي تمسكت بها بقية انسانيتي طول تلك السنة الغابرة .
إنه فخور بنفسه , وأرى فيه طفولتي التي أحاول أن لا أذكرها , وأشاهد فيه أحلامي , إن الأطفال لبهجة حلوة , وهدية كونية باذخة .الخميس :أفكر بترك عملي , إني أتعلق بأشياء كثيرة , وأصبح عبدا ً كبقية البشرية , إن طفل مستخدمي نوار لا أكف عن شمه وتقريبه من صدري كلما قبضني الهم , واليوم لمحت ساعد أخته , وتيقظ في شعور لزج أصفر وتلوثت بجسدي ! .

السبت :

لم أذهب للحقل , ولا خرجت من منزلي .

الأحد :

مازلت معتزلا ً , أراقب القمر في الليل , أنصت لأصوات منزلي , وفي الصباح أستحم بلعاب الشمس ! .
وهاهو مستخدمي قد أرسل في طلبي عند الظهر , ولكن الرسول وقف على مسافة تبعد مئتي متر عن منزلي وصرخ خائفا ً .
وهكذا تظاهرت بأني لم أسمع ولم أرى , وماكان ليحاسبني معلمي على جبن رسوله , وقد قصر في إيصال الرسالة حتى باب منزلي .

الإثنين :

إني عاشق ! .

 

.

.الثلاثاء :

تنازعني نفسي الخروج إلى الحقل , ولا أدري أشوقا ً للأرض التي زرعت , والأشجار التي سقيت , أم أشتاق إلى ولد مستخدمي وابنته .
إني مريض بي , وإذا ما أقنعت نفسي بأن الزواج حلال طيب , تتكبر نفسي أن تقيد ذاتها , وإذا ما ذكرتها بحلمي بأن أ ُحبل امرأة وأجعل منها أما ً , سخرت مني وقالت : ( الصيف ضيعت اللبن ! .
أما وقد عشقت فلا , ولو كان الأمر بطهر الرغبة الأولى لوافقتك , ولكنك باغي جسد فأرتدع ) .
وأتحايل عليها بأن الحب الذي يلهبني هو حب روحي بحت , فتضحك : ( لو كنت تحبها حبا ً روحيا ً كما تدعي ؛ لما أشتعلت روحك بهذه الغواية وقد رأيت ساعدها , إن ساعدها ليس بباب روحها أيها الغوي ) .
إني قد خسرت ! .

الأربعاء :

جاءت فتاة معلمي تركض , وقد أغرقها المطر فهي ترتجف , وطرقت علي الباب ؛ فأيقظتني من نومتي التي تسولتها عبر ثلاثة أيام أرقت فيها .
وما أن فتحت الباب لها حتى أستعبرت تبكي , وقالت بأن أخها قد لُسع بثعبان أسود , ووالدها مسافر يبيع محصول أرضه , وما من رجل سواي قد يستعينون به .
تركتها خلفي وركضت , حتى إذا وصلت لعتبة بابهم سمعت نائحة من جاراتهم قد أطلقت نعيها , فأسقط في يدي وجثوت , وجاءت الأم ذاهلة ووضعت الطفل بين يدي , ثم لطمت ! .
إنه بارد , وعيناه الصغيرتان مطبقتان , وأصابعه متشنجة , ولكن عرق الحياة مازال ينبض به .
فأخرجت سكيني وشققت مكان اللسعة ومصصت السم , فلما فقدت الشعور بلساني وقد تخدر , صرخت بهم أن أحضروا شرائح البصل , وربطتها ضمادا ً على قدم الصغير .
وسهرت الليلة التالية هناك , لا عمل لنا إلا انتظار يقظة الطفل , ونتوسل السماء نجاته , فلما حل بنا المساء التالي , جاءت الفتاة تجر ثوبها إلى شجرة اللوز التي كنت نائم تحتها , وقالت لي : إني أخي يناديك .
فقمت لا ألوي على شيء .

الخميس :

لقد قضيت المساء كله أكلم الطفل وأهدهده وأغني له أغنيات لا تُغنى إلا للملوك , وقصصت عليه قصصا ً لا يعرفها أهل الريف ولا كانت تخطر على عقول خواصهم .
وأستمرت الفتاة تراقبني متحجبة , وقد هالها أني انسان طبيعي أعرف من الأشياء ما يعرفون وأكثر , وأشعر تجاه الأشياء بما يشعرون .
وإن طرب روحها ليبلغ روحي فيحزنني , إني خاسر ولكني سعيد , ولا أرى مصيبة أعظم من مصيبة سعادتي , لأنها سعادة لم تتأتى لي يوما ً وقد تكلمت .
والسعادة بالكلام أخطر من الكلام ذاته , ولكني متورط أتكلم .
وأتناول معهما فولا ً طهته أمهما وألقم الصغير من فمي , وأشعر بي عصفورة تطعم فراخها .

 

الجمعة :

ماعدت أطيق برد بيتي , ولا وحشة وحدتي , إني أشتاق لأنس اجتماعهم .
يارب .

السبت :

ها أنا أعود للحقل , وأشتغل بهمة ولا ألتفت لمنزل العائلة التي قطفت ثمار قلبي , وأقسم أن أجرح نفسي جرحا ً بليغا ً بسكيني كلما قبضت على روحي متلبسة بفكرة الإلتفات لنافذة غرفة الولدين .الجمعة :لم أتحرك من فراشي , إني محموم , وفي جسدي عشرون جرح بليغ , إنها المرات التي فكرت فيها بأن ألتفت .

 

.

السبت :

هاقد مر أسبوع منذ أن انقطعت عن الحقل , وقد شفيت جرحي فأصبحت أستطيع المشي .
ووجدت أني عبد بمرضي , عبد بضعفي , عبد بحاجتي للناس , عبد بحبي , وإن الله ما أذلني إلا لأني أردت أن أجعل من نفسي إلها ً بعزيمة صادرة من نفسي , غير مستعن بأحد , فغفلت عن حقيقة الله ومعونته والتي يمررها عبر بعض خلقه _ بحكمة منه سبحانه _ , ولا فكرت في اشارات وجوده .
ها أنا ألتحف حكمتي وأصلي .

الأحد :

إن الحب مجرد طاقة تجاذب , تحدث بين روحين ليسكب أحدهما في كوب الآخر مزيج روحه , وبما أن هذا الحب أقل من روحي , وأكبر من قلبي , فقد وجب أن استغني عنه .
إن الفتاة التي أحببت لأسذج من أن تعرفني , وإني لواسع بحيث ماهي بمستطيعة أن تحيط بي , وفي الأوراق ملاذ بوح , فلأكتب .

 

الإثنين :

ماحاجتنا للناس ؟
رفقة نخبرها بأسرارنا ؟.
إني مستغن عن علائق الدنيا بكليتها , إن كانت العلائق البشرية ناقصة كما أرى , وما تطمح روحي إلا لنصف يقاسمها حقيقتها غاية المناصفة , وإني أناجي الورق فلا يجيبني , وأكتب فلا أسمع صدى لأفكاري , ولكن السماء عالية فوقي , وفوقها الله ؛ فلأصرخ .
يالله , يالله .
إني رجل كريم , محتد المنشأ ,ودمائي ملكية , وإذا ما اجتمعت هذه الصفات في رجل والحب معها : أهلكنه , فلا هو يرضى بأن تتسلط الحبيبة عليه , ولا هو يرضى بأن يفتتن بالحبيبة حتى ما يستطيع مفارقتها , ولا هو بقادر على الترك , وإن ترك هلك , والهلاك من فوقه هلاك من فوقهما الهلاك هو المحك الذي يقيس الرجال الكرماء , إذا ما عرض عليهم الإختيار بين الجسد والروح .
أما إن هذه المرأة ليست العشيرة التي أختارتها السماء لي , فلو كانت كذلك لرأيت اشارات السماء تدلني عليها , وإن رغبتي بها لا تتعدى رغبات جسد محمومة , وهذه غواية لا تستمرئها روحي .
يارب انظر إلي .

الثلاثاء :

أنا منهك , لكن أعرف طريقي .

مناجاة

نوفمبر 12, 2009

_ ما أضيق اللغة يا الله _

.
.

ويصرخ شاعرهم :
ويا عصفات اليأس بابي محطم
فهبي كأنفاس الجحيم وصدعي !

بل نفزع إليك فأنجدنا يا الله , وكل المصائب أقل من الموت , والموت أهون مما بعده إلا أن يكون خير .
غير أناَ بلهاء يا ربي , نستعجل مصيبة الموت وكل مصائبنا أقل شأنا ً منه .

و يسألونني هل جربت الكتابة إلى الله , فأرفض , أستحي يا الله أن يكون بيني وبينك وسيط من ورق , وأنت الذي لا ترضى أن يكون لك شريك في الأعمال والنوايا , وما يكتب كاتب إلا و يكون في نيته إجادة الصنعة , وإحكام المعاني , و استطعام حلاوة الكتابة فنا ً.
غير أني الليلة أفزع كاتبة إليك , لا أرتب خواطري ولا أبهرجها , أحملني إلى قوائم عرشك وأسجد بين يديك , وأدرك أن الأبواب الموصدة كلها لا تقف أمام منح يأتي بها بابك مشرعا ً .
بي نزق موجوع , و كل ما أفكر فيما يجب علي من نضج وما أنا فيه من النضج أخجل من نفسي .. تأبى روحي أن تكبر باتجاه حقيقة الوجود يا عظيم الفضل , وأنت حقيقة الوجود كله سبحانك .
ويشتد بمعاوية رضي الله عنه الوجع فيدخل عليه (خارجي) فيرغم جسده على الانتصاب جالسا ً , مجافيا ً لفراش الموت , وينشد :
وتجلدي للشامتين أريهم
أني لريب الدهر لا أتضعضع .
فيجيبه الخارجي :
وإذا المنية أنشبت أظفارها
ألفيت كل تميمة لا تنفع ! .

ونحن فينا كبرياء الجهل ذاته _ وأنت تعلم _ غافلين أن التجلد لا ينجي من موت أيا ً كان ذلك الموت ,  والموت في هذه الدنيا كل الموت هو : الجهل بك .
ماعاد بي قدرة على التجلد أمام جهلي بك , فعلمني .
ما أنا موجوعة يا الله إلا بجهلي , وكل ماعرفت هذه الدنيا توجعت , وأدرك في أسر خواطري أن وجع المعرفة بحقائق الوجود لا يهونها إلا حقيقة المعرفة بك كرب للوجود .
ولو كنا نعبدك حق عبادتك , ونعرفك كأننا نراك , لما تقلبت وجوهنا في السبل لا ندري أياها نولي شطره , ولثبت رأسنا باتجاه النور : نورك .

إني لأسخر من نفسي وأنا أحسب وجعي يعدل أوجاع الكون مجتمعة , و أن حزني ماجربه حزين قبلي ولا من سيليني , رغم أني أدرك في الوقت ذاته أن لا مقاسات معروفة للحزن لنتحاكم إليها , و أن لا مقياس تحسس رختري يتم به حساب الكآبة , وأنك وحدك أعلم بالبواطن , وكلنا تفاهة ضخمة أمام عدلك وحكمتك ودروسك الربانية .
من صاحب الوجع والهم الأكبر يا الله ؟
أرحمهم بالخلق وأحرصهم على تعريف الخلق بك , و القدوة محمد صلى الله عليه وسلم .
وما نقترب من مرتبة سيدنا محمد إلا برحمتنا وحسن خلقنا , وحملنا لهم الأمة والناس كما حمل , ولكننا قوم نجهل يا الله .
نحن قوم لسنا بمخلوقين لأنفسنا , وإنما نحن وسائل لبعضنا البعض , والسيد منا من يكون وسيلة للآخرين وهو عارف , لا وهو مضطر جاهل ! .
وذلك الحكيم العارف سألوه ما أشبه أعمال العبيد بأفعال الخالق سبحانه , فقال : الإحسان لخلقه ! .
فأجعلنا ممن نحسن لخلقك يا الله .

أي شيء يمكن أن يعدل طعم الخطوات المقطوعة إليك ؟

ونثقل عنها , ونجرب كل الطرق إلا طريقك , فنتوجع ببعدنا عنك , ثم نحسب أنا فرادة من البشر في أوجاعنا , وما أوجاعنا إلا من جهلنا .
يا الله علمني الرضى , و التواضع , يا الله علمني .

إلهنا ما أعدلك

مليك كل من ملك

لبيك قد لبيت لك

لبيك إن الحمد لك

و الملك لا شريك لك

و الليل لما أن حَلك

و السابحات في الفلك

على مجاري المنسَلك

ما خاب عبد أملك

أنت له حيث سلك

لولاك يا ربي هلك

يا مخطئا ما أغفلك

عجل و بادر أجلك

و اختم بخير عملك

و لا تُسوّفْ أملك

لبيك إن العز لك

لبيك إن الحمد لك
( ابو نواس )

ردا ً على sos ! *

نوفمبر 12, 2009

 

 

إلى انسان “ما” لا أعرفه , في مكان “ما” لا أعرفه , يطلب اشارة لا أعرفها , إني أستمع لصلوات قلبك فاستمع لصلاتي , فلربما تكون الإشارة الصحيحة ! .

 

**

النوم لا يرتق جرح الأجفان والقلق جارحها , مهما كان سلطانه عريض , إلا بعد أن يصبح السجال في زاوية أوسع من سلطان النوم وأعجز من قدرة القلق .

 ومايخيفني أن لا أنام الأيام لشهوة كتابة طارئة , ولكن الفوضى في حالة كتلك هي التي ترعبني , إنها حالة من ضعف المناعة كفيلة بأن لاتقاوم أي مرض , وما أخاف من مرض بقدر الحب وتوابعه ! .

 والحب استهلاك في ساعات قدومه الأولى , ورطة بحجم ( ضمير وعزة ) في مراحل أفوله الأخيرة , وقاتل كحد ساطور .. شحذه جزار , مُعمر المهارة والخبرة .

وأدركت مؤخرا ً أنه _ الحب _ أقرب لكونة إشاعة مبتذلة , وغير حسنة , وماله من الحقيقة , في حالتنا الآنية , إلا ظلال عليا لا ندركها نحن الطينيون ! .

 وأنا كنت لأقدم حياتي كلها قربانا ً لحقيقة من أي نوع جدير بالرعاية , غير أني اكتشفت _ ويح قزامة الصبر في قلبي _ أني لا أملك حياتي ولا نفسي , وإن أمام رقعة ورقة , تتلون بين يدي كما تشاء شهية الفكرة , لا كما يُضمر قلبي , ثم إن أي قربان رخيص كــ ( قشوري ) لا يكفي لإستحداث حقيقة فضلا ً عن تنفيذها , لأن الحقائق لا تأتي حسب الهوى و ساعات الفراغ .

ورغم ذلك فالحقيقة غائبة في طيات حقيبة القدر , و أنا امرأة كفيفة ومالي بصيرة الماء , وهو يحفر ضفتي النهر بهدوء , ويدرك طريق البحر .

           : (علمني الرضا والقناعة يا الله , و علمني أن لا أحتاج ) , والحاجة للبشر هي بذرة الضعف الأولى وأساس ضياع الأوقات , وأصل الإنحرافات عن الطريق , إنهم العقبة الكؤود بإتجاه البحث عن السماء .

و الحاجة أمر مختلف بصورة مطلقة عن الإنس والإجتماع , وهذا الإختلاف بحجم تبني ! , وأنا سئمت تبني العالمين وتمثيل دور أمومي , وسئمت بنفس القدر أن يتبناني الآخرون ويتمثلونني بنتا ً.

 خذ قلبي يارب وهبني حزم موسى , فموسى عليه السلام أكثر نبي كنت لإشبه صفاته الحادة بطريقة متطرفة , وأتهرب من تمثل حالة نوره ويقينه .

 وكلما أفكر في الذين كــــ نحن لديهم طاقتي الخير والشر , بصورتيها الأكثر تطرفا ً أدرك أن إدراك الإتزان عزيز , و إنه في حالتنا هو صبر جسيم وشكر عريض , والصابر والشاكر في الجنة !.

 وأقنع ضمير تحفزي أنني إن أتقنت الصبر على شري وألقمته الصمت , وإن لم أشكر أو أ ُفعـل خيري كنت من الناجين , غير أن ما في الدنيا يصدمني بالحقيقة الدامغة , بأننا قوم إن لم نقدم زكاة قمحنا , أورثنا الله الذل بحجم كوز القمح الذي بخلنا بالتصدق به , وزكاتنا ( كوز ) عظيم , لأن هبات الله فينا مال وفير .

 تسألني : لم يعذبني الله بي وأنا أقل شرا ً من ثلاثة أرباع المعمورة , الذين لا يمرضهم الله ؟!

فأصدقك : لأنك خير من ثلاثة أرباع المعمورة الذين يسقمهم الله _ على غير اعتقادك _ بقدرهم , كما أن لديك واجب اتجاههم , والله يحاسبنا بقدر واجباتنا لا بقدر مقياس عالمي يشمل كل الآخرين .

تعرف ذلك المثل ( كبوة الفارس بعشرة ) ؟.

إنه مقياس كهذا , ولذلك تتدرج المراتب وتتباين الدرجات , وليس في هذا أي ظلم أو تعدي , لأنك بقدر ما أعطيت من الهبات والمواهب تُطالب بالصدقة ! .

وصدقة العلم التعليم , وصدقة المال الزكاة , ولكل شيء صدقة .

وأنت كلك في حقيقتك صدقة للآخرين من بن آدم , كل ينفق من سعته .

 .

يهبنا الله الإشارات , ويحدد لنا حجمنا في هذا العالم منذ بدأ التكوين الذاتي لنا , وبعض الإشارات قد تكون صغيرة جدا ً لا تُلفت إلا أصحاب العقول السؤولة والقلوب العقولة .

وبقدر ذلك الحجم الكوني لك يحاسبك الله , ولذلك عليك أن تفتح منافذك لتدخل شمس حقيقتك وواجباتك إلى غرفة فؤادك , وتدرجها تحت بند الضمائر ! .

وكثر يدركون حجمهم الكوني , ولكنهم لا يتبنون ضمير حي , و على مقدار لا مبالاتهم وتهربهم تُرتب لهم العقوبات أو المحفزات .

 وإلا أي تفسير يمكن أن يخبر به أحدنا نفسه  , عندما تتحدد حتى مقاعد طلاب الصفوف الأولية والمتوسطة والثانوية , بل وبعض فصول الجامعة بمكان مقعده !؟ , فينادي الإستاذ باسماء الطلاب تبعا ً لجلوسهم أمام مقعده أو خلفه أو عن جنبيه , وكأنه مركز استقطاب الكون أينما ذهب ! .

هؤلاء كم مقدار صدقاتهم يارب , وهؤلاء كم مدى محاسبتك إياهم على اغفال اشاراتك _ كـ هاته _ كل مرة ؟ .

 ويقنعني البعض أن الدين بسيط كعجوز نيسابورية , ويغفلون أن العجائز , وبسطاء العامة لا يصنعون علماء ولا علم , ولكنهم يحاسبون بقدر ما يدركون , وإدراكنا أوسع من إدراكهم وأعمق جذورا ً .

 إعمال العقل في الدين ليس بمهلكة , رغم الحرب التي قامت في بعض عصور الإسلام على تفعيل العقل في النصوص واستلهام الدلالة , ولكن الخطأ المهلك هو تأليه العقل , و إغفال الغيب .

وكلما أفكر في مقدار الجزء الغائب عنا , أدرك أن مساحة اللامرئي , المعجز , والخارج عن التصور البشري أوسع من كل ما هو ظاهر , ولذلك يعلمنا الله على مسافة آيات عظيمات حكايات الغيب , وقصص السماء , وشكل الملائكة , وينبهنا لوسوسة الشياطين .

 ندرك من كل هذا أن تجسيد المباديء , وتعليب القيم , والمقياس العقلية الضيقة مجرد أردية محدودة , لإناس عرفوا الدين من منظور بسيط منهجي ما خالط شغاف قلوبهم .

 قابلت كثر يفضلون تبسيط الدين بحجم أركانه الخمسة , ونفسي , ويستلهمون قول الله : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .

ثم يتجاهلون كل المغالطات التاريخية التي نستلهمها من السير والعلماء , والمغالطات الكونية التي تثبت خطأ استلهام كهذا .

 ونتمحور على سلوك فردي ومسؤولية ذاتية , لا نخرج بها إلى كوننا مسؤولون عن العالم بنفس الدرجة , ولا يُسقط في حقنا الأمر بالمعروف والإصلاح , إلا بعد عجزنا عن ايصال الطرف المقابل للإعتقاد بما بلغنا .

 ويغفلون أن بساطة الدين لا تعني تآكل المسؤولية اتجاه التطور , الرقي بذاتنا وتغيير أنفسنا كما قال الله , والتغيير لا يحدث إلا بالعلم , والعلم يعني البحث , و البحث لا يدركه انسان لا مبالي ! .

 و يحسبون أن الأركان الخمسة هي نهاية العلم _ رغم أنهم لا يدركون معناها ذاته _ ونهاية الطلب في دين الله , وأن هذا هو اليسر الواضح ! .

وحكاية ذلك الرجل الذي سأله رسول الله عليه الصلاة والسلام : ( كيف تقول في الصلاة ؟ . قال أتشهد وأقول اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار , أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ . فقال النبي صلى الله عليه وسلم حولها ندندن ) ما نفعل بها ونحن نسمع مقولتهم عن تبسيط الدين ؟.

 العامة يدندنون حول المعتقدات السامية ولا يتقنون وصولها , ولكن من وُهب القدرة على الوصول طُولب به , ولذلك طلب العلم معاذ , وأعتكف ابن عباس في شمس الظهيرة _ تحثو الريح التراب على وجهه _ منتظرا ً خروج معلميه العلم من بيوتهم .

 .

السقوط لا يحتاج لإرادة , إنه يحدث بمجرد أن لا تبالي , كقطرة ماء تغفل التشبث بطرف أوراق لشجرة … وعلى حسب تمسكك بغاية يكون إعتلاءك .

ما كان الإعتلاء يوما ً بأن نعيش حياة بوهيمية , نأكل بخمسة أصابع , ونلبس خمسون ثوبا ً في السنة , ونكتب على مقدار الورق , وننشر على هوى الشهرة .

 الإعتلاء إلتزام منضبط , والإنضباط سيد الفضائل الروحية , وهو شيء لا ينفجر فجأة كقنابل الوعي ! .

إنه يحتاج لدربة طويلة , ومراس صبور , رغم أن الوعي والهداية ذاتها قد تحدث فجأة كحالة حب طارئة .

 يرتبط الوعي عندي بكفة الحوداث , كما الحب تماما ً , لأن المعركتين متشابهتين من حيث النتائج , فالحب الكوني حالة من وعي باهر , عندما تتجه لحقيقتها الصحيحة .

والوعي العظيم في ذاته حب , لأن العلاقة مع الله _ وهو الحقيقة المطلقة الوعي _ هي حب من طرف الله , ومن طرف عبيد الله لله .

 وعندما أفكر في الإنضباط في صورته الصحيحة , يقاعسني أنه يشمل كل مفصل من الحياة , حتى نوعية علاقاتك الإجتماعية .

وأنا أبحث عن انضباط ديني , والإنضباط دين عالمي في حقيقته , لا يخضع لتصنيف الديانة , رغم أن الإسلام هو العقيدة الأفضل في توجيه الإنضباط إلى الصورة الإنسانية الفضلى .

 ولذلك نجد أن الغرب ينضبطون , كل على حالته , و يكرس المجتمع كل فرد منه على مستوى محترف , في شيء ” ما ” وإن كان منظف مراحيض , لإن الإحتراف انضباط .

بل إن كل فرد منا هو شخص منضبط اتجاه عاداته السيئة , فالمستهتر منضبط اتجاه استهتاره , والفوضوي منضبط في فوضويته .

 لا أحد يريد أن يخضع الكون لإنضباط ما , لأننا قوم منعمون تجرح كواحلنا القيود المحكمة , وتقتلنا ظلمة الصناديق .

غير أن الكون بكافة صورة هو انضباط رغم أنوفنا المستأنفة , ولذلك فإن أي حدث للكون يخضع للتصنيف , حتى الكتابة , لأننا نملك عقول مُصنفة تحاول وضع آليات وأسس ونظم لكل حالة , لتستطيع دراستها .

 ومن هذا الوعي تبدأ معاناة المختلفين في انضباطهم , لأن الإنضباط سلوك كوني ممنهج , يعيش الإنسان حياته كلها لتحقيقه أو فهمه , والعامة يقفون عند قدر ما تصل إليه عقولهم من فهم , لسلاسل الكون وإرتباطاته وحقائقه النهائية , ممثلين في بحثنا هذا عن الوعي حقيقة ( وهديناه النجدين ) والنجدين لا ثالث لهم ! , وعي بالشر واجتنابه , ووعي بالخير ففعله.

والخير والشر أنواع وتصانيف , و لذلك أيضا ً كان لسيدنا معاذ لسان عن الشر سؤول ! .

 أما الوحدة فهي صندوق إنضباط جيد في بداية رحلتنا في اتجاه الوعي , لأن الناس ألفت التعلق بأقدام السائرين على غير منهاج العامة , تثقله بمحاولة رده لدائره التشابه .

تظن بأن أفكار كهذه لا تؤلمني ؟

بلى ورب البسيطة , لأن من مقومات أفكار كهذا أن نتخلى عن شهوات لا تحصى , ثم لا يكون لنا في تخلينا حظا ً من نفس أو شركا ً في نية , و على هذا المقدار يتمايز المحسن من المؤمن , من مجرد مسلم ما بلغ بياض الإحسان ربع مفرق اعتقاده ! .

 و وحدتي وحدها رحلة صمت طويلة , فكيف بمتطلبات الوعي الأخرى ؟! .

والصمت أمر يتجاوز إمساك اللسان , إلى صمت الروح عن تردد الخواطر بين روحين أليفتين ! .

تفهمني ؟ تفهم هذه الفكرة الفادحة ؟ .

إنني إن أريد النمو أكتم كثيرا ً , و أول الكتمان يكون عن أقرب الناس لنا روحا ً , لنستطيع النمو بعيدا ً عن سلطة أرواحهم علينا , ولذلك فلا بد من خرس الروح عن الحديث لهم ؛ لتعجز عن إلتقاطنا مجسات تواصلهم بنا وإن تخاطرا ً! .

 أتدرك حجم التضحيات الآن ؟! .

إننا نضحي بالإنسان الشاعري فينا لمصلحة الإنسان المتعقل منا , فنتخفف من كل أشباهنا على قدر تثاقلهم عن المشي بإتجاه غاياتنا .

لا وسيلة ! .

لابد من ( الغار ) موطنا ً نخبز فيه طحين شتاتنا , لنفهم معنى الدين الذي جاء من موطن الغار , وما كان كهف الروح إلا موطن خوض عصيب ! .

 خضت صحراء التيه القحط : سبع سنين , و علمت أن قدرتي على اللامبالة , والصبر على تيهي وتشردي , لا تغلب قدرتي على الإيمان والبحث عن الحقيقة وإن ثقلت , فاستأنفت الركض بإتجاه الكوة المضاءة من آخر النفق , دون أن أبالي إن وصلت أم لم أفعل , لأن التوبة لا تحتاج سوى لنية , و خطوة أقرب إلى دار الطيبين , وخطوة واحدة لا أكثر أبعد عن دار الخبث والتيه , ليغفر الله لي نصاب المائة قتيل وسيئة ! .

 و مؤخرا ً جدا ً أدركت أنه قد بلغ نصابي المائة , ومن يبلغ نصابه المائة يحتاج لتوبة عاجلة , عاجلة , لعل الله يدركه بالتوبة قبل الممات .

وماهذا الإدراك لي جاء عن تفرد حزته على أندادي , بل إن الله ألهمني فضيلة التأمل فيهم , عبر المنتديات والمدونات والكتب , فرأيت مشاعرهم وهي تضطرب , وراقبت سلوكياتهم هي تنمو , وشهدتهم وهم يخوضون مفترقات حياتهم , فأدركت أن عقلاءنا يمشون لطريق الله كلما علموا , وفهمت أننا في الجهل , وأن خيارنا في الجاهلية خيارنا في الإسلام إن صلحوا ! .

ونحن ورب الكعبة في تيه عظيم .

 

يقول أخي بالأمس في حديث له عن والدي : ( أتحسبون أن أبي لا يشتهي شهوات الدنيا ؟ , بلى , ولكنه ضحى بالدنيا من أجل عز الآخرة , وأستبدل اللذائذ بلذائذ لا تفنى ولا تنفد ) … نحسبه كذلك شمله الله بفضله .

وذلك الرجل الذي كان يتصدق بكل ما في بيته فقال له بعض الناس : هوُن ! , فقال : أريتم لو أن أحدكم كان لينتقل من منزل إلى منزل أكان يترك في منزله الأول شيء ؟

قالوا : لا . قال : ( فإنا منتقلون , وبيوتنا الآخرة ) .

وماسابق عمر أبا بكر إلا سبقه الثاني , لأن الصديق كان صديقا ً وكان يعبد الله كأنه يراه , وماكان يرفع ثوبه عن جسده وهو في الخلاء حياء ً من رب المحسنين ! , فأدرك بذلك رفقة الأنبياء .

 

sos *  : الإشارة التي تبثها السفن الغارقة عبر اللاسلكي لأي جهة في الفضاء العالم , و قد تساهم في انقاذها من طوفان البحر . 


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.